لم يكن قد مضى على حملها شهرٌ حين تساءلت الكاتبة:
«لو خُيِّرتُ بين أن أمنح طفلًا بدايته وأن أمنح كتابًا نهايته… لتردّدتُ كثيرًا.
لحظاتٌ قد تكفي ليبدأ طفلٌ رحلته في أحشائي. لكنّ ما أختصره من وقتٍ في تلك اللحظات الأولى، سأبذل أضعافه خلال الحمل وبعد أن يرى النور، مع السهر والقلق، ومع ما لم أحسب حسابه من جهدٍ وتضحيات. بينما قد تمضي شهورٌ وأعوامٌ قبل أن يستوي كتابٌ بين يديّ.
ومتى فرغتُ منه، أقام إلى جواري صامتًا هادئًا. لا يقلقني صمتُه، ولا أخشى عليه، قريبًا منّي كان أو بعيدًا.
لكن، أهذه ميزةٌ حقًّا؟ وهل تكفي لأستعيض به عن إنسانٍ هو منّي وأنا منه؟
ثم إنّه ما إن يُطرح في الأسواق حتى يأخذ طريقه إلى غيري… إلى القرّاء. منهم المعجب به، ومنهم الناقد له. وحدها أصداؤهم المتباينة حوله تسكن الفراغ الذي خلّفه ابتعادُه عنّي.
أأكتبُ غيره لأملأ ذلك الفراغ؟ سيغادرني الكتاب الجديد بدوره. وهكذا دواليك.
وإن عدتُ إلى قراءته مرّاتٍ ومرّات، فإنني أخشى أن أظلّ أدور في أروقتي: أفتح بابًا على صوتي، وآخر على صورتي، أُقلّب الصفحات لأجترّ ذاتي.
أمّا الطفل… فلن يتركني طويلًا أمام مرآتي. بكاءٌ يقطع خلوتي، وضحكةٌ تُنسيني همومي، ويدٌ صغيرةٌ تسحبني من كمّي إلى حيث لا تدري ولا أدري…
سيكبر بجواري إلى أن يمضي هو أيضًا، ذات يوم، إلى حياته.
فأيُّ فراغٍ سيتركه حينئذ؟ وأيُّ اجترارٍ للماضي سيسكنني، مع الكتاب أو بدونه؟»
صوتان خفيّان يتداخلان، كأنّ أحدهما ينبعث من أحشائها، والآخر من حبر قلمها:
«كلانا ثمرةُ مخاضك العسير. روحُك المُعطاة تتّسع لنا ولغيرنا، كأرض الله الواسعة. لماذا تُشغلين بالك بالمفاضلة بيننا؟
قد نتزاحم على وقتك، وقد يشقّ عليكِ أن تجمعي بيننا. لكن تذكّري ما كنتِ تكتبينه، وها أنتِ تعيشينه اليوم: متى كانت الأمومة والإبداع في تنافر؟»
البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)
تصنيف:






