العقيد جا الحاج عبد الرحمن: جندي الواجب ورجل الدولة

في 29 يناير 2024، فقدت موريتانيا إحدى أبرز شخصياتها العسكرية والسياسية؛ فقد ارتقى إلى جوار ربه  العقيد المتقاعد جا الحاج عبد الرحمن، بعد أن خطَّ مسيرة حافلة بالانضباط، والوطنية، وخدمة الوطن.

تكوّن الفقيد خلال مساره المهني، وفي مراحله  المختلفة، داخل صروح من أرقى المدارس العسكرية: أكاديمية مكناس، سان سير، ثم مدرسة الحرب في ألمانيا... ما جعله ينتمي إلى جيل الضباط الذين أرسوا لبنات الجيش الموريتاني الحديث.

بصفته ضابط أركان دقيقًا وصارمًا، تقلّد مناصب محورية: مدير الإشارة، رئيس المكتب الرابع، مدير الهندسة العسكرية، نائب رئيس المحكمة الخاصة للعدل...

ولما كان ملازمًا أول، فقد حظي بشرف قيادة "المؤسسة المركزية للاحتياط العام للمعدات"، حيث ساهم في تنظيم لوجستيات الجيش ووسائله المادية. كما قادته روح الواجب أكثر من مرة إلى خطوط جبهة حرب الصحراء، حيث تحلَّى بخصال الشجاعة والكفاءة، شَهد له بها رفاقه في السلاح.

وشكّلت فترة إدارته لمديرية الإشارة محطة فارقة في تحديث منظومة الاتصالات العسكرية.

أما في مساره القيادي كضابط سام، تولى قيادة المنطقتين العسكريتين الثانية والخامسة، وهما منطقتان استراتيجيتان تواجهان تحديات أمنية جسيمة في الشمال كما في الجنوب الشرقي.

لكن العقيد جا لم يكن جنديًا فحسب؛ بل خدم وطنه أيضًا كرجل دولة، فقد خدم الوطن من مواقع وزارية متعددة: وزيرا للتجارة والنقل، وزيرا للوظيفة العمومية، ثم وزيرا للعمل والشباب والرياضة، قبل أن يشغل لعدة سنوات منصب الأمين العام لوزارة الدفاع، حيث ترك بصمته في موقع استراتيجي بالغ الأهمية.

في جنازته، اجتمع رفاق السلاح من مختلف الأجيال، إلى جانب المسؤولين السياسيين ورجال الدين والمواطنين، مودّعين رجل شرف وضمير مهني رفيع، عُرف بالصرامة الممزوجة بالحكمة. وجاءت شهادات التأبين لتكشف ملامح الصورة الكامنة خلف البزة العسكرية: وطني متواضع، إيمانه راسخ، نزاهته مطلقة، وقدرته نادرة على الموازنة بين السلطة والتواضع.

سيبقى العقيد جا الحاج عبد الرحمن، تغمده الله برحمته الواسعة، حاضرًا في الذاكرة الوطنية جنديَّ واجبٍ مخلصًا، ومسؤولًا عموميًا وفيًّا، ورجلَ قيمٍ ومسيرةٍ مُلهمة تتوارثها الأجيال.

بقلم : د. با عبد الله سيديكي و العقيد (المتقاعد) البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)

تصنيف: 

دخول المستخدم