الصحافة والحصافة والفصاحة (2 و 3) / د. اسلكو أحمد إزيد بيه

يعتبر مفهوم ال-"حصافة" جوهريا بالنسبة للمهنة الصحافية، إذ يتعلق بالضوابط الأخلاقية التي "ترشد” “السلطة الرابعة". فالصحافي، بخبرته المهنية في إنتاج المحتوى الإخباري وإمكانية نشر وتوزيع هذا الإنتاج بسرعة البرق وعلى نطاق واسع، يملك في الواقع قدرة كبيرة على التأثير، سلبا أو إيجابا، على أمن (بالمفهوم الشامل) الأفراد والمؤسسات والجماعات والمجتمع ككل. فحصافة الرأي الصحافي، تشكل في هذه الظروف، مطلبا مبررا لهذه الجهات التي قد تجد نفسها يوما عرضة للتشهير والخطر على يد وسيلة إعلامية. لقد كانت هذه الإعتبارات حاضرة لدى المشرع الموريتاني عندما سن قانوني "الجريمة السيبرانية" و"الأنباء الكاذبة" درءا للفئة القليلة داخل المهنة الصحافية الوطنية، التي تتعاطى التشهير والتزوير والابتزاز. وعلى أصدقاء الصحافة الموريتانية الحقيقيين مساعدة الجهات الرسمية والنقابية والجمعوية التي تعمل اليوم جاهدة من أجل "تنقية الحقل الإعلامي" وتمهينه وحل مشاكله الموضوعية. وفي هذا الإطار، يجدر بالمتضررين من أخطاء الصحافة، متعمدة كانت أو عرضية، استنفاد كافة فرص الحلول الودية المتاحة وعدم اللجوء إلى القضاء إلا في حالة التأكد من تعذر كل هذه الفرص. في هذا المنحى، يشكل "حق الرد" حلا مبكرا وناجعا في بعض الحالات، خاصة عندما يكون الضرر "معقولا" وعندما يتأكد حسن نية الجهة الإعلامية. أما عندما يكون الضرر بالغا من وجهة نظر الضحية، في الوقت الذي تتشبث فيه الجهة الإعلامية علنا ب-“مصادرها"، دون الإفصاح عنها، فإنه، في هذه الحالة، يتم عمليا تفريغ "حق الرد" من محتواه التصحيحي. فمن الحصافة ألا يعول الصحافي على "حق الرد" ولا على التشويش على القضاء بوسائل بدائية شتى، في الإفلات من تفنيد واضح وصريح لأنباء تشهيرية كاذبة، الله تعالى أعلم بخفايا نشرها أصلا... إلا أنه بعد اعتراف الصحافي بخطإه أو خطإ "مصادره" المفترضة، يجدر وقف المتابعة القضائية فور حصول شكل من أشكال التعويض المعنوي لصالح الضحية، لأن الهدف من هذه المتابعة يجب أن يظل درء مفسدة "الأنباء المزورة" والممارسات المشابهة، في إطار الانسجام مع مستوى التطور المدني للمجتمع.

أود هنا التنبيه إلى ظاهرة خطيرة ألا وهي "اتبشمرگي" وهي المركبة الصحافية لظاهرة أعم تسمى "التبتيب" -اللاأخلاق في المعاملات. عرف المجتمع الموريتاني هذه الظاهرة المقيتة في تسعينيات القرن الماضي، في أوج الفساد المالي والإداري الرسمي. ف-"اتبشمرگي" يعني ابتزاز الأشخاص (مسؤولين عموميين في الغالب) ماليا أو معنويا. يبدأ الاعتداء بنشر أخبار تشهيرية- كاذبة عادة- عن الشخص المستهدف، أملا في أن يتصل بسرعة -أو ينتدب من يتصل باسمه- للتفاوض حول حيثيات حذف الخبر أو الاعتذار عنه. في حالة تعذر هذه المرحلة، تبدأ مرحلة "اصربه"، فرد أو أفراد متمالئون مع الجهة المعتدية يقدمون "مقترحات" لحل الإشكال "وديا". في الغالب، يرضخ الموظف العمومي أو الضحية بصفة عامة، خوفا على مصدر رزقه أو لاعتبارات أخرى، لإحدى هاتين المحاولتين، مما يشكل تشجيعا للظاهرة. أما الحالات النادرة التي يتم فيها التقاضي، فيعول المعتدون فيها على "اصربه القبلية" لتجنيبهم الردع والعقاب. هناك حالات تشهير وقذف كاذبة تقوم بها بعض المنابر الصحافية بإيعاز من جهات سياسية أو مهنية معينة يفترض فيها أن "تؤمن" العملية على كل الأصعدة، إلا أنه، في مرحلة التنفيذ، قد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، "فتختلط الأوراق" لينقلب السحر على الساحر...

وبما أن التزوير هو في الواقع شكل من أشكال كبيرة الكذب تجب محاربته حماية للأفراد والمجتمع من تداعياته السلبية، سواء تعلق هذا التزوير بالأنباء أو الدواء أو الفواتير الرسمية أو غيرها، فعلى الأسرة الصحافية -بما فيها أصدقاء الصحافة- العمل بحكمة وصرامة من أجل إقناع الأقلية الضيقة التي تهوى التشهير والتزوير على حساب الغير "بالعزوف" طواعية عن سلوكها الأرعن، تنقية للحقل الإعلامي ومحافظة على الثقة بين الصحافة وجمهور متابعيها.

3- الحصافة

أهوى قراءة الصحافة المهنية لأسلوبها الوسيط بين، من جهة، الأسلوب العلمي الذي يستعمل مصطلحات محدودة نسبيا وجملا بسيطة وجافة ويتوخى دقة المعنى وأحاديته، والأسلوب الأدبي الذي يفتح ذراعيه لكل مفردات المعجم وإيحاءات الخيال ويحبذ الجمل البليغة والمركبة التي تحتمل أكثر من تأويل، من جهة أخرى. فالأسلوب الصحافي يمكن اعتباره "الكتابة الوسطى"، مقارنة ب-"الكتابة الكادحة" في المجال العلمي و"الكتابة الأرستقراطية" في الفضاء الأدبي. وإذا كانت "اللغة" مشتقة من "لغا" (لغوا)، فإن الصحافة المهنية تحول "اللغو" المجتمعي اليومي إلى منتج ثقافي (ناعم) ومتطور قابل للاستهلاك من لدن طيف عريض من القراء. وتشكل الفصاحة (اللغة والمعنى) أحد أسرار نجاح الكتابة الصحافية المحترفة، فعندما نقرأ تقريرا حصافيا مهنيا عن مواضيع ذات تفصيلات معقدة كالأشغال الحائزة على تميّز علمي أو أدبي كبير (نوبيل أو افيلدز مثلا) أو أخرى جيوسياسية حساسة (الأمن أو الطاقة مثلا)، نشعر بنشوة الاطلاع على مفاهيم وأسرار عميقة تشحذ خيالنا وتجعل منا مشاركا في المغامرة الكونية للبحث والاكتشاف والابتكار، حتى ولو كان إلمامنا بالموضوع المعني محدودا. فلو لا فصاحة الصحافي لظل أفراد كل تخصص معرفي يدورون في فلكهم الضيق ولظل الجمهور العريض يسبح في ظلمات الخرافة والتخلف، ولما تأسست مجتمعات العدل والمواطنة والمبادرة. فالصحافي المهني، يمكن اعتباره مدرسا لقسم متعدد المستويات يسع مجتمعا برمته وربما أشمل من ذلك.

ومن المدهش حقا في المهنة الصحافية، قدرة صاحبها على التحرير في كل الظروف، فهو كالفنان التشكيلي المحترف، يستطيع إنتاج لوحة تحريرية بديعة بلمسات لغوية وتركيبية سريعة وفصيحة.

ومن أنجح الصحافيين المهنيين أصحاب الهواية المبكرة التي عضدتها الموهبة وأطرتها المهارات المكتسبة وكملتها الممارسة الميدانية الكافية فالخبرة وصولا إلى الفصاحة.

(النهاية)

تصنيف: 

دخول المستخدم