الشخصيات: المريض، الابن، عامل، ممرضة، موظفون وموظفات، طبيب التخدير، الطبيب المختص، موظفة الاستقبال.
(غرفة في مصحة خاصة. يجلس المريض على أحد سريرين متقابلين، وابنه على الآخر. إلى جانب الابن ملف طبي. يُطرق الباب. ينهض المريض ويتجه نحو الباب ويفتحه.)
العامل: الملف الطبي الذي أحضرتموه معكم، من فضلكم.
(يناوله الابن الملف. يخرج العامل، وتدخل ممرضة تحمل جهازًا.)
الممرضة: صباح الخير. ذراعكم، من فضلكم.
(تقيس ضغط المريض وتدوّن النتيجة، ثم تخرج. يدخل موظف معه جهاز آخر.)
الموظف: إصبعكم، من فضلكم. سنقيس تشبّع الدم بالأكسجين.
(يمدّ المريض إصبعه. يخرج الموظف، ويدخل اثنان يحملان أدوات سحب الدم.)
أحدهما: سنسحب عيّنة دم.
المريض (ينظر إلى الأنابيب): كلّ هذه العينات؟ لماذا؟
الآخر: ضمن الفحوص السابقة للجراحة.
(يلتفت المريض إلى ابنه. يبادله الابن النظرة ويهزّ كتفيه. تُسحب العيّنة، ويخرج الموظفان. يدخل شخصان آخران.)
أحدهما: حان موعد تصوير القدم بالأشعة السينية.
(يسير المريض معهما ويتبعه ابنه. ثم يعودان.)
الشخص الآخر: وغدًا، في أول الصباح، سيُجرى لكم تصوير بالرنين المغناطيسي.
(يخرج الموظفان. يُطرق الباب. يدخل رجل يرتدي زيًّا طبيًّا، يحمل الملف نفسه. يفتحه وهو واقف.)
الرجل: هل تعانون من داء السكري؟
المريض: لا.
الرجل: من ارتفاع ضغط الدم أو انخفاضه؟
المريض: لا. ولكن من أنتم؟ ولماذا هذه الأسئلة؟
الرجل: أنا طبيب التخدير. أحتاج إلى معرفة ما إذا كانت لديكم مشكلات صحية قد تؤثر في عملي أثناء العملية الجراحية.
المريض: أيّ عملية؟ وما الداعي إليها؟ أنا لست مستعدًّا لأي عملية جراحية.
(يرفع طبيب التخدير عينيه عن الملف. ينظر إلى المريض لحظة، ثم يغلقه ويخرج دون جواب.)
الابن: لعلّه دخل الغرفة الخطأ.
المريض: والذين سبقوه؟ هل أخطأوا الغرفة جميعًا؟
(يشير إلى الباب الذي توالى منه الداخلون.)
المريض: اعلم يا بُنيّ أن الحياة لا تُباع، بينما خصخصة الخدمات الطبية حوّلتها إلى «بيزنس»، كثيرًا ما يكون على حساب المريض. والأمر أشدّ عليه عندما يكون التعامل مع المصحات عبر تأمينه الصحي. ها هم يُعدّونني لعملية قبل أن يسألوني إن كنت أريدها، أو حتى يتأكدوا من ضرورتها! هل لأنها تدرّ أموالًا أكثر؟ أعتقد ذلك، والله تعالى أعلم.
(بعد الظهر. يدخل الطبيب المختص مبتسمًا، وفي يده الملف. يفحص القدم ويسأل المريض عن موضع الألم. يطلب منه تحريكها.)
الطبيب المختص: هل يمنعك الألم من المشي؟
المريض: لا، لم يعد يمنعني. أشعر به أحيانًا حين أحرّك قدمي، وأحيانًا أثناء المشي أو بعده، خاصةً إذا أطلتُ السير أو تعثّرتُ.
الطبيب المختص: وكيف بدأت الإصابة؟
المريض: بالتواء في الكاحل، منذ أكثر من سنة. ظننتها إصابة عابرة، لكن الألم بقي. جرّبت علاجات مختلفة؛ بعضها لم يناسب حالتي، بل زاد الأمر سوءًا. ثم، إضافة إلى الكاحل، بدأت أشعر بـ…
(يقاطعه الطبيب، وقد انصرف إلى صور الأشعة والرنين التي أحضرها المريض.)
الطبيب المختص: هاتان الصورتان لا تُظهران التفاصيل بالدقة اللازمة.
المريض: توقّعت ذلك حين طلبتم إعادة التصوير. لكن قل لي: هل تنوون فتح رجلي؟
الطبيب المختص: حالتكم تستدعي التدخل الجراحي، بحسب التقرير الطبي الذي وصلني.
المريض: وهل التقرير دقيق؟ تقولون إن الصور التي بُني عليها لا تكفي، وقد أعدتم تصوير القدم اليوم، وقررتم إعادة الرنين غدًا. ألا ينبغي أن نرى النتائج الجديدة أولًا؟ وحتى الفحوص التي طلبتموها وأُجريت لي، أعادوها وأضافوا إليها فحوصًا أخرى!
الطبيب المختص: من فعل هذا؟
المريض: ألستم على علم بالأمر؟ أليس بطلب منكم؟
موظف (جاء مع الطبيب المختص): الفحوص الإضافية على التي طلبتم أُجريت بأمر من المصلحة الإدارية والمالية.
الابن: هذا «بيزنس» أم طب؟
(يصمت الطبيب، ويعيد الصور إلى الملف.)
المريض: فما بُني على باطل، أليس باطلًا؟
(تتغير ملامح الطبيب وتغيب ابتسامته.)
الطبيب المختص: سنرى…
(يُخرج المريض بطاقة من جيبه ويمدّها إليه.)
المريض: هذه بطاقة فيها عنواني. هل يمكنني الحصول على رقم هاتفكم إذا احتجت إلى سؤال؟
(لا يجيب الطبيب، وكأنه لم يسمع.)
المريض: هل يمكنني الحصول على رقمكم؟
الطبيب المختص: فيما بعد.
(يخرج الطبيب. يبقى المريض لحظة ناظرًا إلى الباب. بعد انتظار بدا طويلا، ينظر في ساعته، ينهض ويتوجه مع ابنه إلى مكتب الاستقبال.)
المريض: سنذهب إلى البيت الآن. متى نعود غدًا للتصوير؟
موظفة الاستقبال: إلى البيت؟ لا، لا يجوز. ستبقون في غرفتكم، وحتى بعد العملية. وسنزوّدكم بملابس المرضى المقيمين. وقد أرسلنا عرض سعر العملية إلى الجهة التي أحالت إلينا ملفكم الصحي، فوافقت عليه.
المريض: بعد العملية أيضًا؟ أيّ عملية وأيّ عرض سعر؟ لا أريد عملية، ولا أريد ملابس!
(تنادي موظفة الاستقبال أحدًا عبر الهاتف، وتتحدث إليه بكلمات مقتضبة. تدخل سيدة تحمل ملابس المرضى وتضعها أمام المريض. يتأملها الابن، ثم ينظر إلى أبيه.)
الابن (ضاحكًا، يشير إلى الملابس): بابا، جرّبها قليلًا. بعد أن حاولوا فرض الإقامة عليك، أريد أن أرى: هل ستشبه، في زيّك الجديد، معتقلي غوانتانامو؟
(ينظر الأب إلى الملابس، ثم إلى ابنه. يضحك هو أيضًا. يتجهان نحو باب الخروج.)
موظفة الاستقبال (تناديهما بقلق وغضب، وتحاول اعتراض طريقهما): انتظرا! انتظرا! لا يمكنكما المغادرة هكذا!
(يُسدل الستار.)
في مكانٍ ما، ويومٍ ما
البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)
تصنيف:






