النظر في أدوات الحضور الدبلوماسي الموريتاني ووجهه الثقافي يستدعي الوقوف عند الرؤية التي تمنحه معناه واتجاهه. فالأدوات لا تصنع نفوذًا متماسكًا ما لم تنتظم في تصور واضح لمكانة البلد ومصالحه وصورته في الخارج.
فكيف يتجاوز الحضور الدبلوماسي حدود التمثيل الرسمي؟ وكيف تجعل موريتانيا من مقوماتها، ولا سيما الثقافية منها، قوة حضور في الخارج، وعمادًا لدبلوماسيتها الموازية؟ وفي الجانب الثقافي بالتحديد، كيف الانتقال من المبادرات الفردية المتشتتة و"المنسية" إلى سياسة ثقافية متكاملة؟
الرؤية واستثمار المقومات
يتجلى الحضور الدبلوماسي لبلد ما في قدرته على إسماع صوت واضح المعالم، وبعث الثقة، والتأثير في القرارات التي تمس مصالحه، وبناء صورة يعرف الآخرون من خلالها ما الذي يمثله، وما الذي يقترحه، ولماذا يستحق صوته أن يُسمع.
ويتطلب ذلك رؤية وطنية تجيب عن أسئلة أساسية:
أيّ مكانة تريد الدولة أن تحتلها في محيطها الإقليمي وفي العالم؟
ما المصالح الحيوية التي يتعين عليها الدفاع عنها؟
ما المزايا التي يمكنها أن تبني عليها نفوذها؟
وما الصورة التي تريد أن تقدمها عن نفسها: وسيطًا، أم شريكًا اقتصاديًا، أم فاعلًا أمنيًا، أم جسرًا ثقافيًا، أم مدافعًا عن قضية؟
وعلى بلد موارده محدودة أن يختار المجالات التي تمنحه فيها جغرافيته وتجربته وموارده مشروعية خاصة، حتى يصبح صوته فيها منتظرًا ومسموعًا.
وفي الحالة الموريتانية، تمتلك البلاد موقعًا جيوسياسيًا وثقافيًا نادرًا. إنها ساحلية، ومغاربية، وغرب إفريقية، وعربية، وأطلسية في آن واحد، فضلًا عن كونها بلدًا مسلمًا كما أنها عضو في المنظمة الدولية للفرنكوفونية. وتستطيع، بحكم هذا الموقع وتعدد دوائر انتمائها، أن تخاطب دول الساحل، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، والجزائر والمغرب، والعالمين العربي والإسلامي، والفضاء الفرنكوفوني، والشركاء الأوروبيين، والقوى الصاعدة المهتمة بالمنطقة، وكذلك، طبعًا، أنحاء عديدة أخرى من العالم في آسيا وأمريكا الجنوبية.
لكن الموقع الجغرافي والخصائص قد تبقى مجرد معطيات على الخريطة، ما لم تسندها رؤية تحوّل تعدد الانتماءات من وضع جغرافي إلى وظيفة سياسية.
ويمكن أن تقوم هذه الرؤية على تقديم موريتانيا بوصفها دولة مستقرة ومعتدلة ومنفتحة، تصل بين المغرب العربي والساحل وغرب إفريقيا والعالم العربي والفضاء الأطلسي والعالم الإسلامي.
غير أن هذه الانتماءات، لتكون ذات قيمة، لا بد أن تنعكس في اختيار الشركاء، وفي المبادرات، وفي الترشحات للمناصب الدولية، وفي القضايا التي تتخصص فيها البلاد، وفي الصورة التي تبنيها عن نفسها في الخارج.
لقد أظهرت رئاسة موريتانيا للاتحاد الإفريقي، ثم انتخاب شخصية موريتانية لرئاسة البنك الإفريقي للتنمية، وأخرى للأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، أن البلاد قادرة على حشد تأييد يتجاوز وزنها السكاني والاقتصادي.
وهي نجاحات ينبغي أن تدفع إلى بناء تراكم دبلوماسي، كما تقدم دليلًا على إمكان بناء نفوذ يتجاوز محدودية الوسائل.
ويبدأ ذلك من الساحل، حيث يمكن أن تجعل بلادنا من قدرتها على مخاطبة مختلف الأطراف في المنطقة مصدرًا لقيمتها الدبلوماسية.
كما يمثل الاستقرار الأمني للبلاد رصيدًا مهمًا، إذا قُدّم لا بوصفه "استثناء" في المنطقة- كما يصفه مراقبون غربيون، بل ثمرة إرادة وطنية قوية، ولا مادة للاكتفاء بالثناء على الذات، بل تجربة قابلة للدراسة والتبادل. فالجمع بين الدفاع والاستخبارات والتنمية المحلية، ومراقبة الحدود، والوقاية من التطرف، والحوار مع المجتمعات، والتكوين العسكري الملائم لخصوصيات الصحراء، يمكن أن يشكل مجالًا من مجالات الخبرة الموريتانية تستثمره في علاقاتها الخارجية.
ويمتد المجال الطبيعي الآخر لهذه الدبلوماسية نحو المحيط الأطلسي. فالشريط الساحلي، والثروة السمكية، والموانئ، والغاز، وآفاق الطاقة المتجددة، كلها تمنح البلاد بُعدًا أطلسيًا مهمًّا.
ويمكن لموريتانيا أن تجعل من نواكشوط ونواذيبو فضاءً دوريًا للتفكير في الأمن البحري، والصيد المستدام، وحماية الساحل، ومحاربة التهريب، والتعاون بين الموانئ، وربط دول الساحل الحبيسة بالمحيط.
كما يمكن للغاز والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر أن تصبح أدوات لحضورها الخارجي، شريطة ألا يقتصر خطابها على إعلان المشروعات وتصدير الموارد، بل أن تعتمد دبلوماسية طاقوية ذات مصداقية لها «مرئية» (visibilité) جيدة؛ أعني حضورًا ملموسًا.
الثقافة: سفارة بلا حقائب
غير أن صورة البلاد لا تصنعها الجغرافيا والأمن والطاقة وحدها. فالدبلوماسية الثقافية رافعة أساسية لها كثيرًا ما تكون أجدى من غيرها، وهي العمود الفقري للدبلوماسية الموازية.
اسمحوا لي في هذا الصدد أن أعرض تجارب، أو بالأحرى مشاعر، عشتها أو مررت بها.
فمنذ عقود، وبينما كنت في ليبيا، حدثت لي مفاجأة بقيت راسخة في ذهني.
كنت في مكان عابر، بين أشخاص لا يعرفون عني شيئًا. وفجأة، انطلقت من جهاز سيارة النقل التي تقلنا أغنية تقول: "اگبيل الدحميس..."
أرهفتُ السمع فورًا حين تعرفت إلى الصوت: إنها فرقة أهل النانَّ.
كان إحساسًا غريبًا؛ قطعة صغيرة من وطني سبقتني إلى ذلك المكان البعيد، واستقرت فيه تشدو، وتنسج في أذهان مستمعيها صورة آسرة عن بلد لا يعرف كثير منهم عنه إلا القليل.
أدركت يومها أن الأمم لا تسافر عبر الدبلوماسيين والوفود الرسمية وحدهم. إنها تسافر كذلك عبر شاعر، أو روائي، أو موسيقي، أو رسام، أو باحث يقضي عمره بين المخطوطات.
إنهم سفراء بلا حقائب، يعبر أثرهم الحدود واللغات، بينما يعمل كثير منهم في صمت، بعيدًا عن الأضواء.
ومن هنا يمكن النظر إلى المخطوطة نفسها لا باعتبارها أوراقًا قديمة تحفظ في خزانة مغلقة، بل سفيرًا ثقافيًا، إن هي سافرت كما تسافر أغنية "اگبيل الدحميس".
وفي هذا السياق، كان من حسن حظي أن تعرّفت، منذ خمس سنوات، إلى السيد عبد الله ولد محمد بلال، مدير "دار المخطوط العربي"، خلال إحدى محاضراته. فهو يحمل رسالة قيّمة، يؤديها من خلال جهد فردي فريد: يجمع مخطوطات التراث الفكري والعلمي الموريتاني، ويحملها إلى العالم عبر المعارض والتظاهرات الثقافية كلما سنحت الفرصة. وقد حقق، بشغفه اللافت ومثابرته، إنجازات جديرة بالتقدير.
فالخيط الخفي الذي يصل الألحان بالكتب واللوحات والمخطوطات هو السفر:
سفر الأفكار.
سفر الصور.
سفر الألحان.
سفر الكتب.
وسفر الذاكرة ذاتها.
وكلما لاقت عيني أو طرقت مسمعي أصداء آتية من الخارج لمبدعين موريتانيين، عاد إليّ ذلك الشعور القديم: تصل موريتانيا أحيانًا إلى أماكن بعيدة عبر أبنائها المبدعين قبل أن تصل إليها عبر مؤسساتها.
فحين تُدرج أغنية المعلومة بنت الميداح "كلنا مسؤولون"، بما تحمله من رسالة بيئية، ضمن مادة تعليمية موجهة إلى طلاب المرحلة الثانوية في كيبيك بكندا، فإنني أعتزّ بكونها تنقل صوت موريتانيا إلى فضاء بعيد.
وكذلك حين يصبح اسمها عنوانًا يُهتدى به إلى موريتانيا وثقافتها في دليل تربوي للمدرسين والطلاب أصدرته الجمعية الموسيقية التابعة لجامعة ميشيغان الأمريكية خلال موسم 2004–2005 تحت عنوان:
"المعلومة وموسيقى هول الساحل (بلوز): دليل مصادر المعلم"
(Malouma and the Sahel Hawl Blues: Teacher Resource Guide)
ولم يكن الدليل مجرد تعريف بالفنانة، بل تناول موريتانيا ومجتمعها، والموسيقى الموريتانية، والآلات التقليدية، والحسانية، ومضامين أغاني المعلومة. وهذا يعني أن تجربتها استُخدمت بالفعل مادةً للتعليم والتعريف بالثقافة الموريتانية داخل مؤسسة جامعية أمريكية. أي إن المعلومة أصبحت وجه موريتانيا لدى جامعة ميشيغان الأمريكية، مع ما للعملية من أصداء تتعدى كثيرًا حدود الجامعة ونطاقها الجغرافي.
وهل من دليل أسطع هنا على السفارة الثقافية حينما تحمل فنانة موهوبة رسالة الدبلوماسية التلقائية بعفوية واقتدار؟
وحين تحصد أفلام عبد الرحمن سيساكو الجوائز وتُعرض في كبريات المهرجانات، فإنني أشعر بفخر عظيم؛ لأن عبد الرحمن لا يسافر وحده، بل تسافر معه صورة لامعة من بلده، بلدي.
وكذلك الشاعر، والموسيقي، والروائي، والباحث، والفنان التشكيلي. يحمل كل منهم جزءًا من صورة موريتانيا، وكثيرًا ما يفعل ذلك من غير قصد، ولا تكليف، ولا سند مؤسسي.
وقد التقيت، عام 2014، لما كنتُ ملحقًا عسكريًا في الصين، بوجه آخر من وجوه هذا الحضور الثقافي.
هناك، على بعد آلاف الكيلومترات من موريتانيا، تتجاور داخل السفارة الموريتانية أكثر من أربعين لوحة أبدعتها نخبة من الفنانين التشكيليين الموريتانيين مع نحو مائة قطعة من منتجات الصناعة التقليدية الوطنية. تدخل اللوحات والألوان والخامات والأشكال في حوار صامت، يَروي موريتانيا من دون خطب أو بيانات أو بروتوكولات.
وبالنسبة إلى العاملين في السفارة وزوارها من أفراد الجالية، يتجاوز أثر هذه الأعمال حدود الزينة والديكور.
إنها تمحو المسافات بينهم وبين الوطن.
أما بالنسبة إلى الزائر الأجنبي، فإنها تقدم صورة عن موريتانيا قد تعجز الإحصاءات والتقارير والتصريحات الرسمية عن نقلها. فالفن يستطيع أن يتحدث ببلاغة كثيرًا ما تتجاوز وقع الكلمات، وأن يمنح صورة البلد عمقًا إنسانيًا لا تصنعه اللغة البروتوكولية.
ودائمًا في العاصمة الصينية، وفي مجال الفن التشكيلي، فكم شعرتُ بالسعادة عندما أخبرني أحد المسؤولين الصينيين أن لوحة لمواطنة موريتانية تشكل جزءًا من المجموعة الفنية لإحدى صالات العرض في بكين. وقد عرفتُ فيما بعدُ عنوان اللوحة ومَن هي مؤلفتها: "خصائص" للفنانة خديجة بنت إسماعيل.
من المبادرة الفردية إلى سياسة ثقافية
لكن التجارب التي عشتها في ليبيا وفي بكين، والمشاعر التي أثارتها في نفسي إنجازات المعلومة وعبد الرحمن سيساكو وعبد الله ولد محمد بلال، تكشف أيضًا مشكلة أساسية.
في الحالة الأولى، سافرت الأغنية من تلقاء نفسها، ووصلت إلى جمهور بعيد من غير تخطيط رسمي.
وفي الثانية، أدرك سفير موريتاني- السيد دودو بال محمد الحبيب- قيمة الفن، فحوّل مقر السفارة من فضاء إداري وبروتوكولي إلى نافذة حية على موريتانيا.
وتكشف هاتان الحالتان، ومعهما التجارب الأخرى السالفة الذكر، ما تستطيع المبادرة الفردية تحقيقه، لكنها تكشف كلها، في الوقت نفسه، حدود الاعتماد عليها.
فهل ينبغي أن يتوقف حضور ثقافتنا في الخارج على المصادفة، أو على اهتمام هذا السفير أو ذاك؟
وهل نتعامل مع مبدعينا بوصفهم حالات فردية متفرقة، أم أجزاءً من سفارة ثقافية واسعة، تتحدث بلغات متعددة، لكنها تروي حكاية واحدة اسمها موريتانيا؟ ألا ينبغي الاستثمار في هذا الجانب وتشجيعه بدلًا من إهماله أو التعويل على أنه ضعيف الكلفة؟ بينما فاعلوه يتكبدون الكثير، وعلى الدولة أخذ تضحياتهم في الحسبان.
وكم من عنصر في تراثنا ظل يعيش بيننا في صمت مطبق، قبل أن ننتبه إليه حين ظهر في دراسة أجنبية أو معرض دولي؟ كأننا لا نكتشف بعض كنوزنا إلا من خلال عيون الآخرين.
ولعل المفارقة هنا أشد وضوحًا: لماذا لا ينظر بلد جعل من "التبراع" شعرًا يختصر عوالم كاملة في كلمات قليلة، ومن المدح النبوي لدى "لحراطين" لونًا موسيقيًا نادرًا ينال الجوائز العالمية، ومن "السيگ" و"لعب الدبوس" لغة حركية وجمالية، ومن المحظرة مدرسة للمعرفة عبر الصحراء، ومن المخطوطة رفيقة سفر عبر القرون — لماذا لا ينظر إلى هذه العناصر بوصفها ثروة استراتيجية؟
ولا يتعلق الأمر بحفظ الماضي وعرضه وحده. فالسينما، والموسيقى الحديثة، وفنون المشهد — أي الفنون الأدائية — والفنون الوسائطية، والرسوم المتحركة، وما تتيحه الثورة الرقمية، ليست نقيضًا للتراث، بل يمكن أن تصبح روافع له. ولعل من أسباب نجاح "اگبيل الدحميس" و"كلنا مسؤولون" أو "نور على نور"، وغيرهما من أعمال المعلومة، القدرة الفائقة لدى هذه الأخيرة على الجمع بين الجذور والانفتاح على العالم، وكذلك ما كان لأهل النانَّ من إبداع فيما يتعلق بالتوفيق بين البعدين: إتقان الموسيقى المحلية والانفتاح على الخارج.
فالأمم لا تعيش داخل حدودها الجغرافية وحدها، ولا تستطيع أن تحيا باجترار ماضيها، من غير تفاعل بنّاء مع ما يشهده العالم من حراك فكري وإبداعي.
ومن هنا، ينبغي الانتقال من الصدفة والمبادرات الفردية إلى سياسة ثقافية خارجية للدولة، تتعدد آلياتها: مثل سجل وطني للمبدعين والخبراء، فضاءات دائمة للفن والكتاب والصناعة التقليدية داخل السفارات، رقمنة للمخطوطات، مشاركة مدروسة في المعارض والمهرجانات، إشراك للكتّاب والفنانين والباحثين في الفعاليات والوفود الدبلوماسية حسب الإطار والموضوع المطروح.
خلاصة: حين يلتقي المساران
وفي الختام أُذكِّر بأن الحضور الدبلوماسي ليس ضجيجًا، ولا كثرة أسفار، ولا تعاقبًا للظهور في المحافل. إنه حصيلة هوية واضحة، وصوت ذي مصداقية، ومبادرات منتظمة، ومؤسسات قادرة على تحويل النجاح العابر إلى تراكم مستدام.
ولعل الرؤية الأنسب لموريتانيا لا تقوم على محاولة الحضور في كل مكان، بل على أن تصبح صعبة التجاوز في المجالات التي تمنحها فيها جغرافيتها وتجربتها وثقافتها ومصالحها مشروعية خاصة.
وعندئذ، لا تعود الثقافة زينة تضاف إلى العمل الدبلوماسي، بل تصبح إحدى أدواته الأساسية: يصبح الفنان سفيرًا بلا حقيبة، والمخطوطة ذاكرة مسافرة، والأغنية رسالة تعبر الحدود، والسفارة بيتًا لموريتانيا، قد يبدو صغيرا في حجمه الهندسي، لكنه عظيما بما يحمله من معنى.
وحينها يلتقي مساران دبلوماسيان لا غنى لكليهما عن الآخر: تسافر موريتانيا، وتصل، عبر أبنائها المبدعين، وعبر مؤسساتها.
عقيد (متقاعد) البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)
⁎ أُلقي هذا النص من طرف كاتبه في شكل محاضرة خلال ندوة نظمها المركز الموريتاني للدبلوماسية الموازية مساء أمس في قاعة المحاضرات بالمركز الثقافي لبلدية لكصر.
تصنيف:







