أحيا العالم منذ يومين الذكرى الثمانين لأول استخدام للسلاح النووي في نزاع مسلح؛ وظهر إجماع قائم، أو على الأقل رسميًا: يجب بذل كل الجهود لمنع تكرار مثل تلك الكارثة. لكن تهديدًا آخر، لا يقل خطورة، بل أكثر تفشيا وتغلغلاً، ينتشر أمام أعيننا – وبأيدينا! –دون أن يثير نفس القدر من الهموم والقلق.
ومع ذلك، ترتفع أصواتٌ مُنذِرةٌ، وإن كانت ضعيفة لكنها ليست عاجزة، لتسلط الضوء على أوجه الشبه بين الأضرار الخطيرة الناجمة عن الظاهرتين.
في إطارها، وبنفس المناسبة، فإنني قد اطلقتُ منذ ثلاث سنوات صرخة تحذير باللغة الفرنسية. ها أنا أكررها اليوم بلغتي الأم. وأقْدِم على ارسالها من جديد في ظرف جيوسياسي دولي يزداد فيه بدرجة مقلقة نفوذ منكري التغير المناخي[i] (climatosceptiques)، خاصة في البلدان الأكثر ضلوعا في تلويث كوكبنا.
فيما يلي نصها. ولا أرى حرجاً إن كانت نبرته قوية، مواكبة ً لدوامة المخاطر المتزايدة التي نقع فيها منذ عقود:
"فلنتوقف عن إسقاط قنابل هيروشيما من نوع آخر فوق رؤوسنا [ii]
اليوم، يُحيي الناجون من هيروشيما، المعروفون في اليابان تحت اسم "الهيباكوشا"، الذكرى السابعة والسبعين للكارثة المروعة التي ضربت بلادهم في 6 يوليو 1945.
. وبهذه المناسبة، يطلق كثير من الفاعلين من مختلف الاصناف –على رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة – صيحات تحذير من استخدام السلاح النووي.
الخطر قائم بالفعل، لكن البشرية تواجه تهديدًا من نوع آخر، بحجم مماثل أو أكبر، وبدرجة لا تقل خطورة. وبسبب نطاقه الجغرافي الهائل واستمراريته وتسارع وتيرته، فإن أضراره لا تكاد تستثني أي نوع من أشكال الحياة على وجه الأرض، حيوانيًا كان أم نباتيًا. وضحاياه البشريون يُعدون بالملايين، وعشرات الملايين، بل مئات الملايينن، وربما بالمليارات: في الواقع لا أحد ينجو منه. فهو يصيبنا جميعا.
الفئات الأكثر تضررا بيننا باتت تعرف باسم "اللاجئون المناخيون". و تشير البيانات الصادرة عن المؤسسات المتخصصة، مثل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (GIEC[iii])، إلى أن عددهم في ازدياد، وأن المنحنى بعيد عن الانخفاض. بل على العكس: الأخبار التي وردت قبل ساعات قليلة، والتي جاء فيها أن الصين علَّقتْ تعاونها مع الولايات المتحدة في مكافحة تغير المناخ، لا تبشر بخير بالنسبة لمستقبل كوكبنا. وكذلك، فإن جهود "الانتعاش الاقتصادي" بعد كوفيد، والحرب في أوكرانيا، والدفع المتجدد نحو استخدام الطاقة الأحفورية الذي نتج عنها، كلها تطورات لا تدعو إلى التفاؤل.
كل ذلك يساهم في تغير مناخي لا يقل ضررًا عن قنبلة هيروشيما. بل قد يكون، -من بعض النواحي- أشد عاقبةً: ظاهرة عالمية ليست من عمل دولة أو جهة محددة يمكن عزلها، ولا تقتصر على زمان أو مكان معينين يمكن حصرهما، ولا تتجلَّى من خلال انفجارات مرعبة أو سُحبِ دخانٍ مذهلة تحذر السكان من الخطر. إنها قنابل صامتة لا يخلو منها موقع على المعمورة، تفجيراتها الخفية وآثارها المدمرة تعمل تدريجيًا، على المدَييْن المتوسط والبعيد، ونحن جميعًا صانعوها وضحاياها في نفس الوقت.
صحيح أن القوى الصناعية بما فيها بعض الدول ''الصاعدة'' هي المسؤولة الأولى عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المؤدية للتغير المناخي. والمفارقة تكمن في كون الدول الأقل تلويثًا هي الضحايا الأولى. خصوصا القارة الافريقية التي لا تتجاوز حصتها في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري 4%، بينما تُعد بلدانها ضمن المجموعة الأكثر تضررًا من آثار الاحتباس الحراري. وتُعتبر معاناة منطقة الساحل هي الأخطر في القارة.
أما موريتانيا، فهي تتعرض بقوة لهذه الظاهرة، مع فترات جفاف وموجات حر تزداد طولًا وتكرارًا، وتصحِرٍِ زاحفٍ يكاد لا يوقف، وارتفاعِ مستوى مياه المحيط وزيادة حموضته وما يترتب عليهما من تأثير مقلق على الثروة السمكية والبيئة البحرية بشكل عام…
علاوة على الأضرار المناخية الخارجة أسبابها إلى حد بعيد عن إرادتنا، فيُخشى أن تزداد المخاطر البيئية في بلادنا مع بدء استغلال الغاز في مياهنا الإقليمية قريبًا: من المتوقع في هذا الصدد أن ترتفع حصتنا في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، التي تبقى الآن في حدود 0.015% من الانبعاثات العالمية، كما لا يُستبعد حصول أضرار ناجمة عن ضوضاء الآلات وحركة المعدات في البيئة البحرية. لذا ينبغي توخي الحذر واتخاذ جميع إجراءات الحيطة اللازمة للأمن البيئي المترتبة عن هذا المشروع في مياهنا الإقليمية؛ وكذلك في جميع انحاء الوطن أياً كان نوع المشروع أو النشاطات التنموية التي تنفذ في البلاد.
وإلا، فإننا نكون بصدد إطلاق قنابل مناخية لا تقل فتكا عن أسلحة الدمار الشامل، سيدفع ثمنها غاليًا أبناؤنا وأحفادنا، وأبناء واحفاد احفادهم، أي: الأجيال القادمة كلها."
عقيد (متقاعد) البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)
[i] يُعرفون أيضا تحت اسم "المشككون المناخيون"
[iii] Groupe d'experts intergouvernemental sur l'évolution du climat
تصنيف:







