صناعة الرموز النضالية ضرورة حيوية لتعزيز ثقافة الصمود والمقاومة

على مرّ التاريخ، شهد العالم من أوله إلى آخره ثورات عديدة قامت بها الشعوب المُستعمَرة للتحرر من عبق الاستعمار الذي كان يهدف استعمار الأرض والإنسان. اشتهرت كل ثورة برموز نضالية محددة خُلدت عبر التاريخ لا تكاد تتجاوز عدد أصابع اليدين، على الرغم من أن هنالك أفرادا في المقابل لم يكونوا أقل منهم شأناً ولكن شاءت الأقدار أن يبقوا مجهولين.

في الهند على سبيل المثال، يعتبر مهاتما غاندي من أشهر قائدي حركة التحرير في الهند، الذي كان يشجع حركة عدم العنف. ولكنه كان فقط واحدا من عدد من قادة التحرير، إلا أن العصيان المدني أسهم في شهرته.

في جنوب أفريقيا، اتخذ الزعيم الأممي الراحل نيلسون منديلا شهرة عالمية لنضاله ضد نظام الفصل العنصري، ولكن رافق منديلا أشخاصً كانوا أباطرة في النضال والتضحية من أحمد كاثرادا إلى والتر سيسولو وغيرهم من الكثيرين الذين لم ينالوا حصتهم من الشهرة التي يستحقونها بجدارة.

يرى البعض أنه من الصعب أن يتخذ الكثير صفة الرمزية النضالية، وأن هذا لا ينتقص من دور أي بطل مجهول. وقد يكون هذا الكلام سليماً، إلا أن عصر السرعة الذي نعيشه، سرعة إيصال وتلقي المعلومة، يجعل الأمر ممكناً وأكثر حيوية وتأثيراً في أي مسيرة نضالية. كما يُضفي على شبكات التواصل الاجتماعي الحديثة أهمية ثانوية تتمثل في تعزيز وتمكين مفاهيم الصمود والنضال في أوساط الشعوب المُستعمَرة.

في فلسطين، تنبه الشهيد القائد خليل الوزير "أبو جهاد" إلى أهمية وحيوية هذه المسألة بالنسبة للشعب الفلسطيني في النضال ضد الصهيونية التي تمثل الاحتلال الأطول في العالم، والاستعمار الوحيد المتبقي فيه بشكله التقليدي.

لا يأتي هذا الاستنتاج من تصريح صدر عنه، وإنما من نموذج قدمه وهو اختياره للشهيدة دلال المغربي لتقود عملية الساحل الشهيرة عام 1978م على الرغم من كونها فتاة وصغيرة في السن. وهنا يطرح السؤال نفسه لماذا اختار القائد أبو جهاد دلال المغربي لتولي قيادة العملية ؟

قد يكون الخيار نابعا من أن دلال كانت الفتاة الوحيدة المشاركة في العملية وقد أراد أن يدعم وجودها بين مجموعة الشباب فأوكل إليها أمر القيادة، أو لامتلاكها مهارات وقدرات عسكرية تؤهلها لحمل لواء القيادة، ولكن بدون أدنى شك فإن هذا الاختيار، سواء بقصد أو بغير قصد لفت نظر العالم بأسره إلى القدرات الهائلة التي تمتلكها المرأة الفلسطينية المناضلة والتي لا تقل وطنية أو كفاءة عن الرجل، وأن دلال المغربي أصبحت رمزاً للمرأة الفلسطينية المناضلة.

وصفت الدكتورة إصلاح جاد الفترة ما بين ( 1978-1993) بفترة نفوذ النساء، وتبلور أشكال جديدة للتعبئة[1]، وبغض النظر عن المعطيات التي عززت مزاعمها، إلا أن رمزية دلال المغربي كان لها أثرً كبيرً برأيي في تعزيز ثقة المرأة الفلسطينية بنفسها وتعاظم دور النساء الفلسطينيات في المقاومة.

علينا صناعة الرموز النضالية من كافة الشرائح والفئات لو أردنا أن نحتفظ بالمسيرة النضالية فتية متجددة تسير بنفس القوة التي هي عليها. وفي ظل وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة المتوفرة للجميع، فإن عملية صناعة الرموز النضالية ليست بالصعبة.

 طالما الاستعمار الاستيطاني الصهيوني قائم في فلسطين ؛ لا بد أن يبقى السؤال الدائم في عقول الشباب الفلسطيني: هم صنعوا مجد الوطن و نحن ماذا صنعنا ؟!.

فادي قدري أبو بكر

كاتب وباحث فلسطيني

fadiabubaker@hotmail.com

-------------------------------------

المراجع:

  • جاد، اصلاح. نساء على تقاطع طرق – الحركات النسوية الفلسطينية بين الوطنية والعلمانية والهوية الإسلامية. رام الله: مواطن – المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2008.

[1]  اصلاح جاد، نساء على تقاطع طرق – الحركات النسوية الفلسطينية بين الوطنية والعلمانية والهوية الاسلامية ( رام الله: مواطن – المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2008)، 32-37.

تصنيف: 

دخول المستخدم