كلمة الدكتور محمد بن بوعليبة بن الغراب بمناسبة تكريمه يوم الخميس الما ضي من طرف السفير الفرنسي في نواكشوط

سعادة السيد السفير الفرنسي السادة أعضاء رابطة الكتاب الموريتانيين باللغة الفرنسية.

سيداتي سادتي الحضور.

اسمحوا لي أن أشكر جزيل الشكر السيدة وزيرة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي للجمهورية الفرنسية نجاة فالود بلقاسم التي منحتني رتبة فارس في مراتب أوسمة المَجْمَعِيِّين Palmes académiques.

كما أشكر جميع من جاؤوا ليشاركونني هذه الفرحة، فرحة لا يعادلها في حياتي إلا تلك اللحظة التي ناقشت فيها أطروحة للدكتوراه وذلك قبل ما يقرب من ثلاثين عاما بجامعة الصوربون وبحضور لجنة مُناقِشة من هذه الجامعة العظيمة ومن الكوليج دي فرانس، ومن ضمن هذا اللجنة أستاذنا دانيال راك (بكاف معقودة)، (وهو صاحب معجم لاروس السبيل باللغة العربية والفرنسية الصادر عن دار لاروس) إن هذا العالم هو الذي علمني فن الترجمة.

وكان من ضمن هذه اللجنة المناقشة أكبر مستشرقي فرنسا في ذلك التاريخ وهو أستاذي أندرى ميكائيل وهو الذي هداني وفتح لي نوافد في البحث العلمي كان لها أثر بالغ في حياتي. كما كان من ضمن هذه اللجنة أستاذي المشرف جان جيلى ودانيال هانريباجو وهما مختصان في العلاقات الأدبية الدولية وهو مجال خصب ومكان تلاق واتصال بين الشعوب والحضارات.

سعادة السفير سيداتي سادتي

إن مجال تخصصي كمقارن بين الآداب واللغات يسوقني إلي عقد الصلات بين اللغات والثقافات. وهذا المشروع كما يبدو لي يدخل في صميم المبادئ الكبرى للفرانكفونية، ولكن أيضا لزميلتها الآلكسو وضرورة الحوار بين الفضاءات اللغوية والثقافية لصالح السلام والمعرفة والتنمية. وهو بالنسبة لي شيء مدهش وضروري.

إن الحوار الذي نقوم به عبر الترجمة ومعنا فيه جمهور كثير من الجامعيين من العرب ومنالفرنسيين يتنزل ضمن تقليد عريق عرفه العالم العربي والغربي وخاصة فرنسا.

وهكذا فقد ترجم عثمان جلال خلال القرن التاسع عشر خرافات لافونتين Les fables de La Fontaine وروايات برناردين دي سين بييرBernardin De Saint-Pierre.وقد شهد هذا العصر كذلك ترجمة راسين RacineوكورنيCorneilleوموليير Molièreالذي ترجم حتى إلي اللهجة المحلية.

وقد تُرجم شاتو بريان Chateaubriandوفكتور هيغوVictor Hugoوإميل زولا  Emile Zolaوغي دي موباسانGuy de Maupassantوألكزندر دوما Alexandre Dumasوموريس دو كبرى Maurice Dekobraوبول بورجىPaul Bourget وغيرهم كثير. ولا تزال الترجمات مستمرة حتى هذا الوقت الذي أحدثكم فيه.

فعبر هذه الوسيلة التي هي الترجمة أدخلت الأنواع الأدبية الغربية إلي العالم العربي، تستوي في ذلك الرواية والمسرحية، من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا. وبعد هذا الإدخال ظهرت في العالم العربي بعض هذه الأنواع مثل الرواية ذات الـتأثر الشديد بالنموذج الغربي.

أما في الاتجاه الآخر فإن أجدادنا (أجدادنا وأجدادكم فرنسيين وعربا قد سعوا إلي تنمية العلاقات بين حضارتينا منذ القديم وبنفس الوسيلة أي الترجمة.

إن العلماء الكبار في الغرب ليتذكرون زمان طليطلة حيث كان القسيس الأسقف الفرنسي رمون ريمندوdon Raimondoيجمع كل مترجمي أروبا لكي يقوموا بترجمة الأعمال التي خلفها العرب بعد استرجاع الأندلس إلي اللغة الفرنسية. حدث ذلك إبان القرن الثاني عشر. بعد ذلك قام العالم الفرنسي غالان Antoine Galland (1646- 1715)بترجمة ألف ليلة وليلة إلي اللغة الفرنسية وذلك سنة 1704م، هذا العمل الذي سوف يطبع خلال ثلاثة قرون كثيرا من الأعمال الأدبية والفنية في الغرب بعد ترجمته. هذا وقد ترجمت خلال الفترة الحديثة عشر مجلدات لتوفيق الحكيم، وأعمال طه حسين ونجيب محفوظ وجمال الغيطاني وغيرهم كثير. ولقد لاقت هذه الأعمال المترجمة استقبالا حسنا في الأوساط الثقافية والأدبية الفرنسية والغربية وذلك لتميزها.وكما قال فليبكردنالPhilippe Cardinal بشأن هذه الترجمات: " إذا كانت الترجمة هي محاولة للتقريب واختصار المسافات بين الأمم، فلا غرابة إذا كانت هذه النصوص الأولى التي نقلت من العربية إلي الفرنسية مستساغة لأنبنياتها المألوفة في الغرب قد ساعدتها علي قطع جزء من المسافة."

لقد مهدت الترجمات لنشوء أعمال أصيلة في مجال الكتابة الروائية، ظهرت روايات بدت فيها الحبكة مأخوذة من العالم الغربي ومكيفة مع حقائق المجتمع الذي ينتمي إليه الكاتب وقد تساءل المستشرق هانري بريزH.PERES: "لماذا أخذ كاتب حديث عسى بن هشام 1907 فكرة بعث باشا مات خلال 1850 ودفن في مقبرة الإمام الشافعي ليحاكم معاصريه سنة 1900؟.

وكمصدر لهذه الفكرة راح H.PERES  يسرد الأمثلة لهذه الفكرة في الآداب الأجنبية حتى وصل بها إلى الحضارة الرومانية واليونانية.

« Le sommeil d’Epiménide de Gnosse - [...] La Belle au Bois Dormant de Charles Perrault, Le Diable Boiteux de Lesage (m. en 1747), Les Burgraves de Victor Hugo, Le Pantagruel  de Rabelais, des Mélanges de Littérature et de Critique de Musset, L’Homme à l’Oreille Cassée d’Edmond About, l’Hamlet de Shakespeare, Le spectre de l’un des Noëls Fantastiques de Dickens ou plus simplement le Rip de la légende américaine racontée par Washington Irving »[1] .

كانت الكتابات الروائية العربية الأولى أنواعا هجينة إذ كانت تجمع بين تأثيرات متعددة تأثير التقليد العربي في كتابة القصة الذي هو في الأساس الكتابة المقامية وتأثير الأنواع القصصية الغربية.

وإنني لحريص في هذا المقام علي إظهار أن هذا الامتزاج بين الفضاءات الثقافية واللغوية بواسطة الترجمة هو الذي سمح للقراء العرب والأوربيين ولوج هذه الأعمال دونما أية مشكلة، وأن نتائجه من حيث الـتأثيرات المتبادلة مشاهدة للجميع.

إن الأعمال التي ترجمتها والمعروضة هنا مثل أعمال زميلنا الراحل بيير بونت وعلينا هنا أن نُذكِّر بمناقبه الكبيرة ــ ودي شاسيه، ومارشزين، وقريبا بول مارتي لتنغرس في هذا الهدف وهو الحوار، وذلك بغية تسهيل أعمال علمية معاصرة حول بلدنا ولتبسيط أعمال متميزة تربويا علي الطلاب والأساتذة ممن لا يقرؤون باللغة الفرنسية.

إنني أشكر عاليا كل الذين ساعدوني علي إنجاز هذا المشروع وعلي رأسهم التعاون الثقافي الفرنسي، وأكد لهم طموحي في مواصلة الطريق التي رسمتها بتواضع، كأحد بناة الجسور التي تسمح بالتجوال بواسطة الكلم من خلال ثقافتي العربية ــ  الإفريقية نحو الثقافة الفرنسية ، تلك الثقافة التي أصبحت ملكا لي هي الأخرى بقوة التاريخ وعبقرية اللغات.

وأشكركم جزيل الشكر.

 

[1] PERES (Henri) : “Les origines d’un roman célèbre de la littérature arabe moderne”, Bulletin d’études orientales, Institut Français de Damas,Beyrouth 1944, p. 115.

تصنيف: 

دخول المستخدم