الحوار : ورقة ولد إشدو تختلف تماما... ‼

عهد المشاركون في الحوار الوطني الشامل الدائر حاليا في نواكشوط على توزيع مناشير وبيانات تشرح تصوراتهم للقضايا المطروحة للنقاش أو تطرح مسائل مهمة حسب رأيهم؛ وكان المحامي والكاتب الشاعر محمدٌ ولد إشدو ممن قدموا وثيقة، وزع اكثر من 100 نسخة منها على "المتحاورين"؛ إلا أن ورقته شذت عن الوثايق الآخرى ـ سواء من  حيث الشكل أو من حيث مضمونها.

" إلى احرار موريتانيا" ليس منشورا سياسيا تحريضيا كما قد يتبادر إلى ذهن القارئ عند أول وهلة بعد اطلاعه على هذا العنوان الذي اختاره ولد إشدو لوثيقته المقدمة في شكل نداء مثير بيرز على صفحة الغلاف الأولى. بل إنه عنوان لكتاب يزيد على 230 صفحة من الحجم المتوسط. ويتضمن 29 نصا مختلفا لا يمكن تصنيفها في خانة واحدة.. أو في خانتين.. أو في ثلاث آو أكثر.. لا من حيث مضمونها ولا من حيث إطاريها الزماني والمكاني. ولكنها كلها تلتقي في قواسم مشتركة، نذكر منها :

  •  الشاعرية. مسار المحامي ولد إشدو غير النمطي وخلفيته الأصيلة وشغفه بالأدب العربي والشعبي الذي مارسه منذ صباه ـ مستهلكا له ومنتجا ـ عوامل طغت بقوة على كتابه. فالأسلوب الأدبي الرصين والشاعرية العفوية هي ما يميز " إلى احرار موريتانيا". و من هذه الزاوية فإن  فن الكتابة والتعبير المتبع من طرف هذا الأديب قد اضفى على "ورقته" نكهة لذيذة قلما توفرت في غيرها من الوثائق والمشاركات المدونة التي قدمت خلال الحوار.. حيث كانت هذه في معظمها ـ  وفي أحسن حالاتها ـ ثمرة لطبخات أعذت عن طريق استخدام  قوالب انشائية أو شكليات روتينية مألوفة لدى اليروقراطيين وفي الإدارات، أي أنها لا تأبه كثيرا بالحس الفني وجماله، خلافا لكتاب ولد إشدو ذي الصبغة الأدبية المشوقة. صحيح أن " إلى احرار موريتانيا" لم يصدر لكي يكون أداة مساومة في حوارات أو تجاذبات سياسية مبرمجة. ولا شك ان عذم تقيده هذا بحسابات تكتيكية ظرفية من هذا النوع من أهم العوامل التي سمحت للمؤلف بأن يظل حرا.. طليقا..في اختيار كلماته وترتيبها حسب ما يمليه عليه إلهامه محا فظا بذلك على حسه الفني الذي نلمسه من خلال النصوص. 
  • روح وطنية جياشة وضمير "عروبي" راسخ. هما أول ما يحسه القارئ لدى المؤلف .. فجميع النصوص مهما اختلفت عناوينها وتباينت مضامينها، فإنها لا تخلو أبدا من هذا الهم الشاغل المخيم على ولد إشدو والمتمثل في رفضه التام لدوامات التخلف التي تعاني موريتانيا والعالم العربي منها ؛ كما أن القضية الفلسطينية هي هاجسه الثاني الذي يغضبه  كيف يتعاطى العرب والعالم معها بخجل فاضح وبسوء نية مقززة. ويضيق هذان الأمران بالرجل لدرجة شديدة يبدو معها وكأنه يحمل ثقلا مضنيا يتعب كاهله منذ زمن بعيد. من هذا المنظور يجوز فعلا اعتبار الكتاب بمثابة منشور صرخة وألم. لكن المتألم لا يقتصر على الصراخ والاستياء المزعجين فقط ـ  لا بالعكس ‼  إنه يقدم اقتراحات حلول للقضايا الكبرى للأمة وللوطن. قد لا تكون بالضرورة رؤاه صائبة في جميع جوانبها أو في بعضها.. إلا أنها تدخل على العموم في صميم اهتمامات الحوار الجاري حاليا رغم كونها كتبت منذ سنوات عديدة : نشرت النصوص ال 29 ما بين شهر ابريل 1999 ويوليو 2013.
  • الوفاء.  الوفاء للوطن وللأمة طبعا كما أسلفنا ولمسار المؤلف الثوري. كناك ايضا رسالة وفاء قوية للأصدقاء ولمن نالوا ثقة وإعجاب الكاتب بغض النظر إن كانت تربطه بهم علاقة أو معرفة شخصية أم لا. ويدخل في هذا الإطار نصه التأبيني حول المرحوم اعل الشيخ ولد امم  ـ"ذلك الطود الأشم الراسخ" حسب وصفه له.. وكذلك ما كتبه بعد وفاة الرئيس الجزائري الأسبق احمد بن بلله، وهنا يوَقِّع ولد إشدو شهادة وفاء صادقة ـ ليس للفقيد فحسب بل ايضا للمسار الثوري له هو نفسه.. مسار لا يخفي المؤلف اعتزازه به وحنينه إليه. وتمشيا دائما مع نفس الإحساس بالمسؤولية والأمانة لمن يقدرهم، كتب "رسالة إلى صديقين عزيزين"  يعاتبهما على سوء علاقة خطير طرأ بينهما. ويقول  للمعنيين ـ الرئيس محمد ولد عبد العزيز ورجل الاعمال محمد ولد بعماتو ـ  في مستهل رسالته:

"كم وددت أن أخاطبهما مباشرة، وألقي عليهما ما في نفسي حتى أجنبهما وأجنب البلاد الاكتواء بنار صراعهما العبثي المدبر.. ولكن هيهات!

ثم يختم قائلا :

"أيها العزيزان الصديقان خير ما لعل خير ما اختتم به رسالتي الودية غليكما أن انشد فيكما ما انشأ وأنشده شيخنا العاقل ابن العاقل في إصلاح ذات البين بين قومه:

تنازعتما هذا الذنوب وإننـــــــي **      على وجل أن تستحيل بكم غربا

فأنشدت والإنسان ذو اللب ماحض ** نصيحتـه أهـل المودة والقـربـى:

أيا أخوينا عبد شمس وهاشمــــــــا **   أعيذكمـا بالله أن تحدثـا حربـــا.".

البخاري محمد مؤمل

تصنيف: 

دخول المستخدم