من أخطاء المرحوم المختار ولد داداه الكبيرة ...

تغمد الله المختار ولد داداه بواسع الرحمة والغفران وادخله فسيح جنات الرضوان. لقد كان رجل مفارقات- كغيره من الزعماء العظماء. كمثلهم من صانعي تاريخ الأمم، ارتكب أخطاء  فادحة احيانا، حيث  تتناسب شدتها طرديا مع عظمته كقائد دولة وكمؤسسها الرئيسي. منها حرب الصحراء المعروفة التي ندم عليها وحاول الخروج منها؛ غير أن المهلة لم تسعفه آنذاك لاستدراك الموقف وفقا لمقولة مأثورة عند الجنرال الأمريكي الشهير ماك آرتور: "تاريخ جميع الحروب الخاسرة تتلخص في كلمتين : فات الأوان".

و هذا نوع آخر من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الرئيس الأول لموريتانيا ومؤسسها الرئيسي- الذي يشهد له جل من عرفوه عن قرب، إن لم يكن كلهم، بأنه قائد فذ.. معتدل.. بعيد النظر... يتمثل خطؤه فيما تعرض له بعض مرؤوسيه الكبار الذين كانوا من أقرب المعاونيه إليه من  حرمان وعزلة  بسبب وشايات وشكوك لم تتأكد إطلاقا، بل "ما نزل الله بها من سلطان" حسب كثيرين ممن عاشوا تلك الفترة.

الحالة التالية مثال صارخ على ذلك. ونوردها فيما يلي كما ذكرها محمد فال سيدي ميله بتفصيل.. وبأسلوب مرن حاول صاحبه أن يبتعد كل البعد عن كل ما من شأنه أن يثير السخط على "مرتكب الخطأ" أو الشفقة على "الضحية"؛ وإنما آثر سرد الوقائع كما هي.. وشرحها بموضوعية كما تبين له الأمر.. تاركا الحكم عليها للقارئ.

البخاري محمد مؤمل

------------------------

"40  سنة من العزلة: فاتورة انقلاب لم يتأكد

كانت حياة أول وزير للدفاع في موريتانيا، المثقف والسياسي محمد ولد الشيخ ولد أحمد محمود، حافلة بالانجازات والهزات والاتهامات غير المتوقعة التي أرغمته على أن يعتزل السياسة والمدن، فيعيش داخل خيمة بدوية على مدى الأربعين سنة الأخيرة من عمره. 
ولد محمد سنة 1928.. دخل المدرسة الابتدائية في بتلميت سنة 1942 باقتراح من خاله الشاعر الكبير محمد ولد محمد اليدالي. اكتـُـتب في الابتدائية وقد بلغ الـ 15 من عمره. كان ذكيا لدرجة أنه اختزل الست سنوات المقررة في ثلاث سنوات، فاستحق بذلك منحة في ثانوية فان فولانفوهين بدكار. لم يكن يُمنح لهذه الثانوية إلا الأوائل من كل مدارس المستعمرات الفرنسية الإفريقية. 
ولد محمد في وسط من كبار المتعلمين (محامين، أطباء، مهندسين.. ولا أحد يجهل المؤرخ، أستاذ الأنتروبولوجيا المبرز عبد الودود ولد الشيخ ولد أحمد محمود الذي اختير ليرسم بريشته مقدمة كتاب "موريتانيد" للراحل صاحب القلم الذهبي حبيب ولد سيدي ولد محفوظ ).
عند تخرجه من الثانوية، عمل محمد معلما مساعدا في مدينة أطار. ومن أطار بدأ مشواره النقابي فاختير أمينا عاما لنقابة معلمي إفريقيا الغربية الفرنسية التي يقودها سيكو توري (الرئيس الغيني لاحقا).
شكل المعلمون أول نواة للحركات الاحتجاجية السلمية ضد الاستعمار. فشارك محمد ولد الشيخ ولد أحمد محمود بحيوية في تلك الاحتجاجات من خلال نقابة معلمي إفريقيا الغربية التي أسسها موديبو كيتا سنة 1937 (سيصبح كيتا رئيسا لمالي، ويموت داخل زنزانة انفرادية بعد أن انقلب عليه الدكتاتور موسى اتراورى). أصبحت هذه النقابة عضوا في الاتحاد العام لعمال إفريقيا السوداء الذي تأسس سنة 1956 بقيادة رفيق محمد، الرئيس الغيني (صاحب أهم "لا" في تاريخ إفريقيا). نشأت بين محمد وسيكو توري علاقة حميمة خاصة أنه جرب مستواه وكفاءاته. وخلال الأيام الأولى لاستقلال غينيا طلب الرئيس سيكو توري من صديقه محمد أن يأتي إلى كوناكري ليساعده في بناء دولته الفتية. غير أن محمد رفض الطلب على اعتبار أن موريتانيا، المقْدمة على الاستقلال، بحاجة إلى أطرها القلائل.
لم يكتف محمد بالعمل النقابي في مسعاه المناهض للاستعمار، ففي سنة 1955 أنشأ مع رفاق له حركة سياسية باسم "رابطة الشباب الموريتانيين" (AJM) التي اختير أول رئيس لها. كانت رابطة الشباب تستهدف بنضالها الإدارة الفرنسية والمقربين منها لذلك حُول الرجل مرات، بصفة قسرية، إلى بتلميت والمجريّه. وعقابا له على تمرده، أرغمته الإدارة الاستعمارية مرتين على الإلتحاق بمكان عمله على ظهر جمل بينما يُنقل الموظفون من أمثاله في سيارات الإدارة.
التحق بعض صغار الموظفين الموريتانيين في الإدارة الاستعمارية بالرابطة التي يرأسها محمد، كما التحق بها الكثير من التلاميذ والمعلمين وبعض التجار. ومع ازدياد شعبيتها، ضمت الرابطة الكثير من الحساسيات، فوقع الانفجار الأول الذي تمخض عنه ميلاد حزب النهضة ذي الميول القومي العربي والمكون أساسا من البيظان. كان محمد المناهض للنهضة يقول بأن "موريتانيا شأن عربي- زنجي". كان في ذلك الطرح على صلة سياسية وثيقة بأصدقائه كانْ أليمان وسي إبراهيما وبابوكر ألفا.
بعيد استفتاء "ويْ ؤ نونْ"، سنة 1958، تمكن دعاة "الانتقال السلس"، بقيادة الرئيس الأسبق المختار ولد داداه، من إقناع، أو جر قياديين من أطر الرابطة وحزب النهضة كانوا معارضين لأي وجود فرنسي في الساحة. كان محمد من بين من التحقوا بالخيار السياسي الداداهي وفق شروط محددة سلفا. وبالفعل استطاع المختار توحيد جل الحركات السياسية في "حزب التجمع الموريتاني" (PRM) الذي ضم عناصر مهمة من حزب "الاتحاد التقدمي الموريتاني" (UPM)، وعناصر مهمة من حزب "التفاهم" الذي يقوده أحمدّ ولد حرمه ولد ببانه، بالإضافة إلى قادة بارزين من حزب النهضة (كان جلهم يقضي إقامة جبرية في تيشيت مباشرة قبيل إعلان الاستقلال)، وعناصر بارزة من رابطة الشباب الموريتانيين (AJM) بزعامة المترجم له. وهكذا كان محمد ولد الشيخ ولد أحمد محمود من بين من أيدوا توجه المختار ولد داداه القاضي بتوحيد الفرقاء السياسيين في "حزب الشعب الموريتاني" (PPM) من أجل بناء الدولة الجديدة. وقد لعب محمد دورا أساسيا في إنشاء هذا الحزب وإقناع الأطر بالانضمام إليه لما له من علاقات قوية بالمختار ولد داداه وأطر الرابطة والنهضة.
عندما بدأت "مرتنة" الإدارة الإقليمية، ابتداء من سنة 1958، عُين محمد نائبا لحاكم دائرة البراكنه بألاك، قبل تحويله إلى النعمه ومن ثم كيفه. وفي سنة 1961، وبعد حصوله على شهادة إداري مدني، عين أمينا عاما لوزارة الدفاع قبل تعيينه وزيرا للدفاع والقوات المسلحة. وبوصفه أول وزير للدفاع في موريتانيا، كلف بتكوين النواة الأولى للجيش الوطني الذي أنشئ طبقا للقانون 60/189 الصادر بتاريخ 25/11/1960.
لقد بذل محمد كل ما في وسعه من أجل بناء جيش وطني محترم. وإبان جولة للرئيس المختار ولد داداه في بعض القطاعات، سنة 1963، كتب في سجل لوزارة الدفاع ان السيد محمد ولد الشيخ يعمل بفاعلية كبيرة، وأنه مسكون بالحس الوطني، وأنه تمكن، بكفاءة وإخلاص، من تنظيم وبناء المؤسسة العسكرية.
اصطدم وزير الدفاع محمد ولد الشيخ ولد أحمد محمود بأول مهمة حساسة ومعقدة. لقد عينته الحكومة رئيسا للمحكمة الاستثنائية التي شكلت لمحاكمة المتهمين بـ"اعمارتْ النعمه" (29 مارس 1962). كان من ضمن أعضاء تلك المحكمة الملازم معاويه ولد سيد أحمد الطايع (الرئيس الموريتاني لاحقا). وعلى مضض، أصدرت المحكمة حكما بالإعدام النافذ في حق السادة أمّاعْلِي واسويدات وولد الفاظل. (كانوا أول من تنفذ فيهم الدولة الموريتانية حكما بالإعدام).
في سابقة من نوعها، كلف محمد، مع حقيبة الدفاع، بحقيبة الشؤون الخارجية. ومن موقعه كوزير للخارجية، عمل على إقناع المنظومة الدولية بالاعتراف بموريتانيا متغلبا، بشكل لافت، على الدبلوماسية المغربية والمصرية والسوفياتية.
وهنا ازداد حجم الأدوار المنوطة بمحمد بعد نجاحاته المتكررة، وبعد مساهمته الكبيرة في تصور وإنشاء مختلف مؤسسات الدولة، ومساهمته في ترسيخ سلطة "حزب الشعب الموريتاني". نذكر في هذا الصدد أن بعض السياسيين المعاصرين له اتهموه بأنه كان وراء إرغام النواب على توقيع استقالاتهم على ورق أبيض لتسهيل إزاحتهم عندما يفكر أحدهم في مناهضة خيارات الحزب الواحد.
في سنة 1965 أصبح محمد الشخصية المركزية والوجه الأبرز في الساحة السياسية الموريتانية لأنه جمع منصبين وزاريين حساسين ومنصب مستشار قوي في الحزب الحاكم. إذن تزايد أعداء الرجل في الوسط الحكومي لأن سلطاته فاقت "المقبول" ولأنه كان صاحب الرأي المسموع على كل الجبهات.
في خضم ذلك، ارتفعت وتيرة الاحتقان العرقي منذ فبراير 1966 فكانت منذرة بزوال "نعمة" الرجل. وفجأة تمت إقالته من منصبه وهو خارج العاصمة ليعين مكانه أحمد بزيد ولد أحمد مسكه (ثاني وزير للدفاع في موريتانيا)، كما أقيل معه بنفس القرار صديقه وزير التنمية كانْ أليمان. لقد اتهمته بعض الدوائر الحكومية بأنه كان مؤيدا للأطر الزنوج المحررين لـ"ميثاق الـ 19" الذي اعتـُـبر الشرارة الأولى لأحداث 66 العرقية الدامية. كان محمد يقول بأنه لن يقبل أي شكل من أشكال التمييز، وأنه يرفض تناحر الموريتانيين على أسس عرقية. وفي سنة 1967 شـُـطب على اسمه نهائيا من الوظيفة العمومية بغية حرمانه من حقوق التقاعد فيما بعد فضلا عن الرواتب. جاءت تلك الضربة القاضية على خلفية اشتراكه، مع مجموعة من الكوادر، في توقيع عريضة تساند الدبلوماسي أحمد بابه ولد أحمد مسكه الموقوف في نواكشوط بتهمة "اختلاس مال عام" من سفارته بالولايات المتحدة الأمريكية. الأمر الذي اعتبره الموقعون للعريضة مجرد ذريعة لتشويه صورة ولد أحمد مسكه وإقصائه من الخارطة السياسية.
لم يكن محمد متهما بمناصرة الزنوج، ومناصرة أحمد بابه مسكه فحسب، وإنما اتهم أيضا بأن تنامي سلطاته في الخارج (من خلال وزارة الخارجية)، وقوة علاقاته بالضباط (من خلال وزارة الدفاع) وقوة علاقاته بالقواعد الشعبية (من خلال حزب الشعب الحاكم) جعلته يطمح لرئاسة موريتانيا، وأنه خطط مع الضابط السامي اسويدات ولد وداد وآخرين لانقلاب على نظام الحكم.
كان مسلسل الاتهامات والإقصاءات والحرمان من الحقوق مريرا. لم يكن الرجل يتوقع أمرا كهذا، خاصة أنه بذل قصارى جهده في خدمة توجهات الحزب والدولة، لذلك أدت به صدمته الكبيرة إلى الحكم على نفسه بالإقامة "الجبرية" مدة الـ 40 سنة الأخيرة من عمره في مشارف بتلميت بين عيْنْ السلامَه واحْسَيْ شدّادْ، متبتلا قانعا داخل خيمته: يتعبد ويكتب ويقرأ ويمارس الطب التقليدي المجاني لصالح مرضى الحي. 
كانت التهمة صادمة جدا، ذات تأثير بالغ على شخص كرس حياته لخدمة توجهات حكومته، وأقنع مئات الأطر المعارضين بالانضمام لحزب الشعب، وجاب أصقاع العالم من أجل الاعتراف بسيادة بلاده. لكنها كانت صادمة أكثر لأن مصدرها أقرب مقربيه ولأن مصدرها نظام أمضى سنوات صعبة في بناء هيكلته وفلسفته في فترة كان فيها أحوج ما يكون إلى العقول المخلصة. والحقيقة أن التاريخ، إلى يومنا هذا، لم يقدم أية أدلة على تلك "المحاولة الانقلابية" الفاشلة في طور التخطيط، وربما كان ذلك سببا في عدم عزل أو سجن أو متابعة أي ضابط في منتصف ستينات القرن الماضي. لكن هل كان الخوف من ولد احمد محمود واردا باعتباره أول من بنى النواة الأولى للجيش الموريتاني الوليد؟ وهل كان إقصاؤه ضروريا كي لا يستغل نفوذه وشبكة علاقاته بالضباط لمآرب سلطوية؟..
مهما يكن، فقد وصفه صديقه وقريبه الرئيس الراحل المرحوم المختار ولد داداه في مذكراته بأنه "رجل متقدم على زمانه". والأهم من ذلك أنه عندما عزل من وظيفته اكتشف محيطـُه أنه لا يملك منزلا ولا ناقة ولا شاة ولا سيارة على الكرة الأرضية. فمع زهده ونزاهته في التسيير، كان على درجة كبيرة من الكرم، فهو يتقاسم رواتبه باستمرار مع ذوي الحاجة من أهله ومحيطه ومعارفه. لذلك أثارت حالته الكثير من اللغط: وزير للدفاع، وزير للخارجية، قائد حزبي كبير، نقابي وطني وقاري، رئيس مجلس إدارة الخطوط الجوية الموريتانية، فقير لا يملك ما به يودّع نواكشوط ليقضي 40 سنة من العزلة داخل خيمة بدوية قبل أن يحمله الأهل على فراش المرض إلى نواكشوط ليلتحق بالرفيق الأعلى سنة 2013.

 المصدر :     Med Vall Sidi Meila 

تصنيف: 

دخول المستخدم