لا أدري إن كانت لا تزال تفعل ذلك إلى اليوم، ولا لماذا تفعله أصلًا.
سأكتفي بتسميتها: «ي[i]».
في تعاليقها على فيسبوك، تبدأ كل كلمة بحرف كبير[ii].
أهي عادة؟
أم شيفرة؟
أم لمسة حنان؟
لا أدري.
وقد ظننتُ في البداية أن الأمر مجرد لعبة.
فهذا ينسجم مع ما أعرفه عنها:
ولعٌ بالفن،
واستمتاعٌ باللعب الجميل.
لكنني كلما فكرت في الأمر مليا، ازددتُ اقتناعًا بأن وراءه قصدًا خفيًا:
أن تقول دون أن تصرّح،
وأن توحي دون أن تكشف.
فكل حرف كبير بدا لي أشبه بمفتاح،
أو بإشارة سرية،
أو بباب موارب على سرّ
لا ترغب صاحبته في الإفصاح عنه.
أتُراها كانت تخفي أشياء أكثر حميمية من أن تُقال؟
أم أنها كانت، بكل بساطة،
تصنع أبجديتها الخاصة؟
لغةً حميمة:
بينها وبين الألوان،
بينها وبين الكلمات.
أميل إلى الاحتمال الثاني.
فاللغة، عندها، ليست شيئًا غامضًا.
إنها تستعملها كل يوم:
في الكلام،
في الرسم،
في الموسيقى الصامتة للأشكال والعلامات.
إنها تخاطب الكلمة كما يُخاطَب رفيقُ درب.
وتداعبها بالألوان.
وتربّت عليها بفرشاة الرسام.
لذا أشك في أن يكون ذلك الحرف الكبير مجرد خطأ إملائي.
بل لعله دعاء.
أو رسالة احترام يبعث بها القلب إلى الكلمة.
وكأنه يقول لها:
«أنتِ فريدة.
وأنتِ اسم علم».
فأتخيَّلها وهي تتحاور مع الكلمات كما لو كانت كائنات حيّة.
فالكلمة، في عالمها، ليست أداة.
إنها جسد.
ونفَس.
وطائرٌ تألفه ويألفها.
وحين ترسمها،
تتحول الألوان إلى صور بلاغية،
والحركات إلى جمل.
غير أنني، وأنا أحاول فهم سرّها، وجدتني أبتعد شيئًا فشيئًا عنها.
كنت أريد أن أقرأها...
فإذا بجنّي أنا من يتكلم.
جنّي الطيب،
وجنّي المشاغب،
وجنّي الفضول،
وجنّي الشك.
قادوني إلى أفكار غريبة،
وإلى مخاوف وديعة،
وإلى صور لم أكن أتوقعها.
فاستعذت بالله منهم كأي مسلم:
»بسم الله الرحمن الرحيم».
ثم دعوت ربي. جلَّ جلاله.
وفجأة...
حلّ السكون.
ثم جاءتني رؤيا.
رأيت طائر فردوسٍ غمس أصابعه في زرقة السماء،
وأخذ يرسم على القماش تلك الحروف المضيئة.
حروفًا لا يهم إن كانت تُقال أو تُرسم أو تُحلم.
عندها أدركت أن «ي» ليست مجرد بشر.
بل كتابة حيّة.
فالكلمة، في نظري، أجمل الألغاز جميعًا.
وهي، مهما حاول صانعها امتلاكها، تفلت منه دائمًا.
وهنا ألتقي بـ«ي».
في هذا الدوار الجميل.
تحملني إليه جنّيات طيبات.
ومثلها أشعر بحاجة إلى كتابة ما يكلمني.
فإذا بي أنا أيضًا أنادي جنّي.
غير أن جنّي كسول...
بكين، يونيو 2015
تصنيف:







