إدارة النفايات الصلبة في موريتانيا: تقدّم تشريعي مهم على محكّ التحول البيئي

لم يعد من الممكن النظر إلى إدارة النفايات باعتبارها مجرد مسألة تتعلق بنظافة المدن؛ إذ أصبحت اليوم جزءاً من الأمن البيئي ومن الحوكمة البيئية للدول. ومن هذا المنطلق، تشكّل كذلك أحد المشاريع الكبرى للتحول البيئي، الذي يقتضي إعادة التفكير في إنتاج النفايات وإدارتها وتقليصها ضمن منظور مستدام.

القانون: بداية حسنة لمسار استراتيجي

يندرج القانون الموريتاني رقم 2023-031 المتعلق بإدارة النفايات الصلبة في إطار هذا التطور. فهو يمثل خطوة مهمة في بناء الإطار القانوني المنظم لهذا القطاع، ويتمحور أساساً حول ثلاثة أهداف رئيسية:

  • تنظيم عملية جمع النفايات
  • تحديث المكبات ومواقع الطمر
  • تحسين إدارة النفايات في الوسط الحضري

ويُعد هذا النص أول بنية قانونية وطنية مخصَّصة لهذا المجال. إذ يتضمن خصوصاً:

  • الاعتراف بالدورة الكاملة لإدارة النفايات
  • الانفتاح على إعادة التدوير وتثمين النفايات
  • أخذ المخاطر البيئية المرتبطة بالنفايات بعين الاعتبار

وبهذا المعنى، يشكّل القانون مؤشراً دالاً على مسار استراتيجي آخذ في التبلور. فمع أنه يضع إطاراً تقنياً وإدارياً لإدارة النفايات، إلا أنه ينبغي أن يندرج كذلك ضمن رؤية أوسع للأمن البيئي المستدام ولترسيخ ثقافة المواطنة البيئية.

ومع ذلك، فإن قراءة متأنية للنص تكشف عن عدد من الجوانب التي ما تزال قابلة للتحسين. ويمكن الإشارة، على وجه الخصوص، إلى خمسة أبعاد رئيسية:

1. بيئية ذات طابع دفاعي

على الرغم من الإسهامات الواضحة للقانون، فإنه ما يزال يعكس مقاربة بيئية يغلب عليها الطابع الدفاعي. فهو ينظم أساساً إدارة النفايات والتخلص منها بعد إنتاجها، دون أن يدمج هذه السياسة بصورة كافية في رؤية أوسع لتحويل النظام البيئي والاقتصادي.

فمفاهيم الوقاية والاقتصاد الدائري ما تزال تحتل مكانة ثانوية، في حين أن مسؤولية المنتج الموسَّعة تكاد تكون غائبة عن المنظومة. وهو ما يجعل هذا التوجه أقل انسجاماً مع المقاربات المعاصرة لإدارة النفايات، التي تقوم على الوقاية وتقليص النفايات من المصدر وتحميل الفاعلين الاقتصاديين جزءاً أكبر من المسؤولية.

. 2. المواطنة البيئية: بُعد يحتاج إلى ترسيخ

يمنح القانون مساحة محدودة للبعد المدني والتربوي في إدارة النفايات. فمفهوم المواطنة البيئية لا يرد فيه بشكل صريح، رغم أن نجاح سياسات إدارة النفايات يعتمد بدرجة كبيرة على انخراط المواطنين ومشاركتهم الفاعلة.

صحيح أن المادة 17 تشير إلى إعلام الجمهور «بأساليب بيئية لتثمين النفايات والتخلص منها وبمخاطر التلوث المرتبطة بها»، إلا أن إدراج إدارة النفايات ضمن رؤية واضحة للمواطنة البيئية يظل ضرورة أساسية لتطوير ثقافة بيئية حقيقية داخل المجتمع.

3. آلية تمويل ما تزال هشة

ينظم القانون، إلى حدٍّ كبير، الجوانب التقنية والمؤسساتية لإدارة النفايات، غير أنه يظل أقل وضوحاً بشأن المسألة الحاسمة المتمثلة في التمويل المستدام لهذا النظام. فالمادة 16 تنص بالفعل على إنشاء «رسم لإدارة النفايات»، إلا أن كيفية تطبيقه وتحديد آلياته تُركت لمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء.

كما تشير المادة نفسها إلى أن تكاليف إدارة النفايات يمكن أن تتحملها مساهمات الدولة، والدعم المقدم من الشركاء التقنيين والماليين الثنائيين أو متعددي الأطراف، إضافة إلى التبرعات أو الهبات التي قد يقدمها أشخاص طبيعيون أو اعتباريون.

وهذا الترتيب يكشف عن نموذج تمويلي غير متماسك بما فيه الكفاية: إذ يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد العمومية التي لم تتحدد ملامحها بعد، وعلى دعم المساعدة الخارجية.

غير أن التجارب الدولية تُظهر أن نجاح سياسات إدارة النفايات واستدامتها يعتمدان أساساً على وجود آليات مالية واضحة ومستقرة، مثل المسؤولية الموسعة للمنتج ([i]REP)، والضرائب البيئية، أو إنشاء صناديق خاصة لدعم الاقتصاد الدائري.

وفي هذا الإطار، تبرز مسألة التمويل باعتبارها أحد التحديات البنيوية لعملية التحول البيئي؛ إذ إن غياب الأدوات الاقتصادية الملائمة قد يؤدي إلى أن تظل إدارة النفايات مجرد مقاربة إدارية في جوهرها، بدلاً من أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتحول البيئي.

4. حوكمة مؤسساتية قابلة للتحسين

ينظم القانون توزيع المسؤوليات بين عدد من الفاعلين العموميين، لكنه يظل مقتضباً نسبياً فيما يتعلق بالهيكلة المؤسسية المكلفة بضمان تطبيق أحكامه.

فهو لا يشير صراحة إلى الشرطة البيئية التي أنشأها القانون رقم 2021-008 الصادر في 24 فبراير 2021. وقد يُفسَّر هذا الغياب بوصفه نوعاً من الضعف في الانسجام المؤسسي، لأن تحديد الجهات المكلفة بالمراقبة والزجر يعزز فعالية النصوص التشريعية.

كما أن المنظومة قد تستفيد من إنشاء هيئة وطنية متخصصة تتولى تنسيق السياسة العامة لإدارة النفايات، إذ قد تشكل حالة التشتت المؤسسي الحالية عائقاً أمام فعالية الحوكمة البيئية.

5. رؤية بيئية تتمركز حول الإنسان

ما يزال القانون المتعلق بإدارة النفايات الصلبة متأثراً بتصور أنثروبومركزي للبيئة، أي مقاربة تُنظر فيها حماية الطبيعة أساساً من زاوية فائدتها المباشرة للإنسان.

فالمادة 19 تنص على أن إدارة النفايات يجب أن تتم في ظروف «لا تضر بالبيئة ولا بصحة الإنسان أو الحيوان». والصحة النباتية، أين هي: هل تم نسيانها؟

 ففعلا، على الرغم من الإشارة إلى النباتات ضمن العناصر التي تتأثر بالنفايات، فإن هذا البعد يبقى قليل الحضور.

بينما العالم النباتي يشكل القاعدة الأساسية للمحيط الحيوي: إذ يمثل نحو 80٪ من الكتلة الحيوية على الأرض. ومن ثَم كان يمكن لمقاربة بيئية أكثر شمولاً أن تبرز بشكل أكبر أهمية حماية الغطاء النباتي، باعتباره الأساس البيولوجي للأنظمة البيئية وشرطاً رئيسياً لقدرتها على الصمود.

فحماية الطبيعة لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها حماية لبيئة الإنسان، بل كذلك باعتبارها صوناً لنظام حيّ يمتلك قيمة بيئية ذاتية.

الخاتمة:

في المحصلة، يُعدّ القانون رقم 2023-031 خطوةً مهمة في بناء الإطار التشريعي لتنظيم إدارة النفايات الصلبة في موريتانيا. فهو يمثّل تقدّماً ملموساً في تنظيم هذا القطاع وفي الاعتراف بالتحديات البيئية المرتبطة بالنفايات.

غير أنّ النظر إليه من زاوية نقدية يذكّرنا أيضاً بأنّ التحوّل البيئي الحقيقي لا يقتصر على تحسين إدارة النفايات فحسب، بل يقتضي إعادة التفكير بعمق في أنماط الإنتاج والاستهلاك لدينا، وفي مسؤوليتنا الجماعية تجاه عالم الكائنات الحيّة.

البخاري محمد مؤمل ) اليقوبي)

 

[i] Responsabilité élargie du producteur

دخول المستخدم