الشرائيحية والقبلية : موريتانيا بين أغلال الماضي وأفق المستقبل (الجزء الأول)

بين شرائح تُقسِّم الناس بالميلاد، وقبائل تُقيّدهم بالولاء، وخطابات دينية زائفة تُبارك الامتياز وتُوهِن المساواة، تعيش موريتانيا مخاضًا عسيرًا: ميلاد دولة المواطنة وسط رواسب من ماضٍ عنيد لا يزال يُثقل خطاها.

ففي معظم بلدان إفريقيا والعالم العربي وآسيا، لا تُقاس المسافات بالخطى وحدها؛ فثمّة أبعاد اجتماعية رمزيتها أشدّ عنادًا من الجغرافيا… مسافات تفصل الحاضر عن ماضٍ متشبّثٍ بأنماط ما قبل الدولة الحديثة، وتجعل العلاقة بين هذه الدولة ومواطنيها واهنةً ومتعثّرة.

ثقل التسلسلات الهرمية القديمة… والتقسيمات الطبقية الجديدة
تحت ظلال القبيلة والشرائح والخطاب الديني الزائف، المترسّخة في عمق النسيج الاجتماعي الموريتاني، ما تزال الشرائحية التقليدية جاثمة كصخرة على صدر الزمن؛ تقسيمات صلبة: «اعرب»، «زوايا»، «امعلمين»، «احراطين»… كما هو معروف عند "البيظان". كما نلقى في المكوّنات الزنجية لشعبنا تراتبيات مماثلة، على غرار من يُطلَق عليهم في اللغة البولارية: "لاواكوبي"، "توروبي"، "واييلبي"، "ماتيوبي"... إلخ.

تراتبيات تُمنَح فيها المكانة بالميلاد لا بالجدارة، وتُرسَّخ في الذاكرة الجمعية عبر الأعراف والطقوس المتوارثة، حتى يُعَدّ الخروج عنها تمرّدًا مواربًا على المألوف، بل مجازفة غير مأمونة.

وإلى جانب الشرائحية التقليدية المتجذّرة في مجتمعنا منذ قرون، أخذت تتشكّل شرائحية جديدة في ظلّ العصرنة وصعود الدولة الحديثة، تقوم على هويّاتٍ مشتركة مهنية وثقافية وسياسية ومجتمعية، تتجسّد في الأحزاب والحركات الفكرية والإيديولوجية (إسلامية، بيئية، قومية...)، والحركات المجتمعية (نسوية، مثلية...).
وقد عُرفت هذه الظاهرة، بنِسَب متفاوتة، في معظم دول العالم تبعًا لخصوصيات كل بلد ومنطقة.

وهي لا تخلو من مظاهر استنساخٍ للتراتبيات القديمة في أشكال جديدة؛ إذ تنشأ داخلها شبكاتٌ زبونية وانتهازية تتحكّم في توزيع الفرص السياسية (المناصب الانتخابية) والإدارية (الوظائف، الترقيات، العقود...)، مما يُضعف معيار الكفاءة لصالح منطق الولاء والانتماء إلى الدوائر المغلقة.

مثال ملموس: ازدواجية المناورة تحت قبعتين
في هذا السياق، يتصدّر بيرام الداه اعبيد المشهدَ بوجهَين متكاملين: «رجلُ سياسة كبير» و«مناضلٌ حقوقيّ عظيم». ازدواجيةٌ في المقام، لامعةٌ في ظاهرها، لولا أنّها كثيرًا ما تفتقد لأهم شرط فيما يخصّه: الاحترام الحقيقي للآخر، والاعتراف الصادق بالتعدّد.

فقد خاض أربع انتخابات رئاسية خاسرة، واتّسم خطابه بانتقادات حادة لما يسميه «النظام القبلي–الإقطاعي البيظاني»، بالتوازي مع انخراط متدرّج في نفس الموروث الذي كان يعارضه. وتبقى حادثة 28 أبريل 2012 من أبرز محطاته الجدلية: حينها تعمّد إحراق أمهات الكتب المالكية المعتمدة في موريتانيا وبثَّ المشهد على نطاق واسع عبر القنوات التلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي، مبرّرًا ذلك بأنها «منابر للنخاسة تشرعن العبودية والرق»، وأطلق على خطوته اسم «المحرقة»، في استدعاء صريح لمصطلح «الهولوكوست»، بما يحمله من شحنة درامية واستفزازية بالغة.

غير أنّ المشهد تبدّل في السنوات اللاحقة؛ إذ بات يظهر من حين لآخر على رأس وفود من حزبه غير المرخّص وحركته «الحقوقية»، وهو يزور بعض الزوايا المرجعية التقليدية، ويتسلّم منها كتبًا قديمة تشرح وتدعم المتون التي أقدم على إحراقها. وهو ما يعكس انتهازية سياسية تقوم على الجمع بين خطاب القطيعة ورغبةٍ في استثمار نفس البُنى التقليدية متى استدعتْ مصلحته.

هذا المثال يوضّح كيف أنّ الشرائحية الجديدة، حتى حين ترفع شعارات التغيير والتحرّر، قد لا تتقيّد دائمًا بالمبادئ الرنّانة المعلنة، لتنزلق تحت وطأة البراغماتية إلى إعادة إنتاج نفس آليات الولاء والانغلاق، وإن بواجهات مختلفة.

القبيلة كمصفوفة ثابتة؛ والمواطنة المؤجّلة...
بين الشرائحيّتَين، تبقى القبيلة سيّدة المسرح: مظلّةٌ وارفة تمنح الحصانة والوجاهة، وتوزّع الأدوار المفروضة ضمنًا كما لو كانت قدرًا أزليًّا، مستندةً إلى تقاليد ومعتقدات زائفة تُفرّغ الدين من روحه التحرّرية، وتحوّله إلى درعٍ يبارك الامتياز ويُشيطن كل مطالبةٍ بالعدالة تحت لافتة «الفتنة» و«الخروج عن الجماعة».

وهكذا، تتقاطع الشرائحية القديمة والجديدة تحت مظلّة القبيلة، مستعينةً بذرائع دينية وأخلاقية مؤدلجة لتذيبَ الفردَ في الجماعة، وتحبسه في البنى الطبقية، وتخضعه لمنطق الطاعة المطلقة؛ فتتآزر القوى التقليدية والحديثة على إبقاء المواطنة مؤجَّلة، والدولة معلَّقةً بين ماضٍ لم ينقضِ ومستقبلٍ لم يولد بعد.

خلاصة.
باختصار، إذا كانت التسلسلات الهرمية القديمة والتقسيمات الجديدة تتغذّى على بعضها البعض، فليس ذلك قدرًا محتومًا، بل نتيجة اختلالات أدت إلى ضعف الكفّة المدنية..
مما يثير التساؤل: كيف نستعيد هذا التوازن؟

سؤال سيكون موضوع المحطة القادمة من مسار تأملاتنا الراهنة الذي سيتم على مرحلتين-إن شاء الله.

(يتواصل)

 البخاري محمد مؤمل (اليعقوب)

تصنيف: 

دخول المستخدم