على طريق نواذيبو/انوكشوط: دعواتكم لي بفعل الخير وعدم الندم عليه...

ظلت الرياح طيلة رحلتي منذ الصباح تعصف بشدة منقطعة النظير، محملة ببحر هائج من الرمال وبكمية عالية من أشعة الشمس الحارقة، حتى أن وصلتُ ظهر اليوم إلى نواكشوط قادما من نواذيبو.

 وفي مواضع ونقاط عديدة لم تكن حالة الطريق بأحسن من الحالة الجوية إلا نادرا، وخاصة بين "بولنوار" وقرية "الشلخه". هنالك استجبتُ لإشارة رجل واقف-هو ورفيقه-على حافة الطريق. فأوقفتُ سيارتي، ثم لم أتردد في تلبية طلبهما: يبحثان عن أداة رفع (كْرِيكْ) لكي يغيرا عجلة متعطلة.

غير أن العملية فشلت رغم محاولتنا المتكررة: في كل مرة يميل (كْرِيكْ) بشكل مخيف ينذر باحتمال اعوجاجه وتعطله نهائيا عن العمل. حينها، أشرتُ بالنزول إلى امرأتين جالستين على المقاعد الخلفية للسيارة "المعطوبة"، مضيفا ومبررا مبادرتي: "لكي يخف ثقل السيارة على كْرِيكْ ".

ردت علي احداهما بسرعة، وبنبرة حادة اترك للقارئ تصور الحالة النفسية لصاحبتها: "يَعْطيكْ لَعْمَ". دعم أحد السيدين بسرعة ردة فعلها الغاضبة: " بويَ گُولْ اتبارك الله".

وفعلا أدركتُ، وانا التفتُ إلى السيدتين القاعدتين دائما في مكانهما، أن لقولَيْ محدثي ومحدثتي المتشنج ما يبرره حسب المعايير المعهودة تقليديا لمفهوم "الحال" -ما شاء الله- الذي يشكل موروثا ثقافيا ومعياريا  راسخا فيما يعني الجمال النسوي في مجتمعنا.

ولا أظنني أجبتُ أيًا منهما، لأن نفسي اتخذت مسارا آخر ذكرني بان المرء يحس عادة بالسعادة عندما يعطي أو يتقاسم. لكن طعم المرارة قد يعكر صفوه حين يندم على "سخائه"، ولمَّا لا ينفع الندم..

شعوران متضاربان ينتاباني أحيانا كجل الناس. ولم أنج منهما هذه المرة، بل أحسست بتتابعهما السريع وأثرهما المتنافر في وجداني.  

دعواتكم لي بالتوفيق لما فيه السعادة وأن يعيذني الله مما يدفع إلى الندم.

البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)

تصنيف: 

دخول المستخدم